تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 465

مساهمون:

ص٤٦٥
يدي في يده . فسكنت الريح فرجع عكرمة إلى مكة فأسلم وحسن إسلامه « 1 » ، وقال مجاهد : مقتصد « 2 » في القول أي من الكفار لأن منهم من كان أشد قولا من بعض . فإن قيل : ما الحكمة في قوله في العنكبوت :
« فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ »
وقال ههنا :
« فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ »
؟ ! . فالجواب : لما ذكر ههنا أمرا عظيما وهو الموج الذي كالجبال بقي أثر ذلك في قلوبهم فخرج منهم مقتصد أي في الكفر وهو الذي انزجر بعض الانزجار « 3 » ، ومقتصد في الإخلاص فيبقي معه شيء منه ولم يبق على ما كان عليه من الإخلاص ، وهناك لم يذكر مع ركوب البحر معانيه مثل ذلك الأمر فذكر إشراكهم حيث لم يبق عندهم أثر . قوله :
« وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا »
في مقابلة قوله تعالى :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ
يعني يعترف بها الصبار والشكور ، ويجحدها الختّار الكفور فالصّبّار في موازنة الختار لفظا ومعنى ، والكفور في موازنة الشكور أمّا لفظا فظاهر ، وأما معنى فلأن الختار هو الغدار الكثير الغدر ، أو شديد الغدر مثال مبالغة من الختر وهو أشد الغدر ( قال الأعشى ) :
4060 - بأبلق الفرد من تيماء منزله * حصن حصين وجار غير ختّار « 4 »
وقال عمرو بن معديكرب :
4061 - فإنّك لو رأيت أبا عمرو * ملأت يديك من غدر وختر « 5 »
وقالوا : « إن مددت لنا يدا من غدر مددنا لك باعا من ختر » « 6 » والغدر لا يكون إلا من قلة الصبر لأن الصبور إن لم يعقد مع أحد لا يعهد منه الإضرار فإنه يصبر ويفوض الأمر إلى اللّه ، وأما الغدار فيعاهدك ولا يصبر على العهد « 7 » فينقضه وأما أن الكفور في مقابلة الشكور معنى ظاهر .
هامش
( 1 ) نقله ابن الجوزي في زاد المسير 6 / 328 . ( 2 ) انظر : القرطبي 14 / 80 . ( 3 ) في « ب » بعض انزجاره . ( 4 ) هو له كما أخبر أعلى من البسيط والرواية في اللسان والقرطبي : « بالأبلق » وهو قصر السموءل بن عادياء . وتيماء : موضع ورواية القافية في الديوان : « غير غدار » بدل من ختار محل الشاهد حيث جيء به استدلالا على أن الختر هو أشد الغدر وأفظعه وانظر مجاز القرآن 2 / 29 والقرطبي 14 / 80 ولسان العرب : « ت ي م » 462 و « ب ل ق » وديوانه 69 ، وانظر كذلك صحاح الجوهرة : « خ ت ر » . ( 5 ) من الوافر له والأصح : أبا عمير « بدل من عمرو » حتى يتسنى الوزن والغدر : غير الختر بدليل عطف الختر عليه وقيل : هما بمعنى . والشاهد فيه كسابقه حيث تعني كلمة « الختر » أشد الغدر وأسوأه . وانظر البيت في مجاز القرآن 2 / 129 والقرطبي 14 / 80 والبحر المحيط 7 / 182 والطبري 21 / 4 والكشاف 3 / 238 وتفسير ابن كثير 3 / 453 ، ومجمع البيان للطبرسي 7 / 505 وديوانه ( 109 ) . ( 6 ) ذكر هذا الخبر ابن منظور في اللسان : « خ ت ر » 1099 بصيغة : « لن تمد لنا شبرا من غدر إلا مددنا لك باعا من ختر » . ( 7 ) في « ب » الغدر .