وقال مقاتل : بل « 1 » علموا في الآخرة حين عاينوها ما شكّوا وعموا عنه في الدنيا ، كقوله :
« بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها »
، أي هم اليوم في شك من الساعة « 2 » . وعلى قراءة « ادّارك » :
تتابع « 3 » علمهم في الآخرة أنها كائنة « و
هُمْ فِي شَكٍّ »
في وقتهم « 4 » . وقيل استفهام معناه :
هل تدارك وتتابع بذلك في الآخرة يعني لم يتتابع ، وضلّ وغاب علمهم به ، فلم يبلغوه ولم يدركوه ، لأنّ في الاستفهام ضربا من الجحد « 5 » . وقال علي بن عيسى : بل ههنا لو أدركوا في الدنيا ما أدركوا في الآخرة لم يشكّوا بل هم منها عمون جمع عم ، وهو الأعمى القلب « 6 » .
قوله تعالى :
[ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 67 إلى 75 ]
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَ إِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَ إِنَّا لَمُخْرَجُونَ ( 67 ) لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( 68 ) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ( 69 ) وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ( 70 ) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 71 )
قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ ( 72 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ ( 73 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ ( 74 ) وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ ( 75 )
قوله :
« وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا »
يعني مشركي مكة ، « أئذا » تقدم الكلام في الاستفهامين إذا اجتمعا في سورة الرعد « 7 » . والعامل في « إذا » محذوف يدلّ عليه « لمخرجون » تقديره :
نبعث ونخرج ، ولا يجوز أن يعمل فيها « مخرجون » لثلاثة موانع : الاستفهام ، وأنّ ، ولام الابتداء ، وفي لام الابتداء في خبر إنّ خلاف « 8 » ، وذكر الزمخشري هنا عبارة حلوة ، فقال : لأنّ بين يدي عمل اسم الفاعل فيه عقابا ، وهي همزة الاستفهام ، وإن ، ولام الابتداء ، وواحدة منها كافية ، فكيف إذا اجتمعن « 9 » ؟ وقال أيضا : فإن قلت : لم قدّم في هذه الآية « هذا » على
« نَحْنُ وَآباؤُنا »
وفي آية أخرى قدّم
« نَحْنُ وَآباؤُنا »
« 10 » على « هذا » ؟
قلت : التقديم دليل على أن المقدّم هو المعنى المعتمد بالذكر وأن الكلام إنّما سيق لأجله ، ففي إحدى الآيتين دلّ على اتخاذ البعث الذي هو يعمد بالكلام ، وفي الأخرى
هامش
( 1 ) بل : سقط من ب .
( 2 ) انظر البغوي 6 / 301 .
( 3 ) في ب : يبالغ .
( 4 ) انظر البغوي 6 / 301 .
( 5 ) انظر البغوي 6 / 301 - 302 .
( 6 ) المرجع السابق 6 / 302 .
( 7 ) يشير إلى قوله تعالى :وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَ إِذا كُنَّا تُراباً[ 5 ] .
( 8 ) انظر الهمع 1 / 140 .
( 9 ) الكشاف 3 / 151 . وقول الزمخشري : عمل اسم الفاعل . فيه نظر ، لأن الذي في الآية اسم مفعول هو « لمخرجون » .
( 10 ) يشير إلى قوله تعالىلَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ[ المؤمنون : 83 ] .