تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
فالجواب : حاشاه من ذلك ، بل ابتدأ الكتاب ب
« بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ »
، وإنما كتب اسمه عنوانا بعد ختمه ، لأن بلقيس إنما عرفت كونه من سليمان بقراءة عنوانه كما هو المعهود ، ولذلك قالت « 1 » :
« إِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ »
، أي : إنّ « 2 » الكتاب . . . فالتقديم واقع في حكاية الحال « 3 » . واعلم أن قوله :
« بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ »
مشتمل على إثبات الصانع سبحانه ، وإثبات كونه عالما قادرا « 4 » حيا مريدا حكيما « 5 » رحيما « 6 » .

فصل [ في استنباط أسرار البسملة ]

« 7 » وقد استنبط الشيخ الإمام العالم شرف الدين محمد بن سعيد الشهير بالبوصيري « 8 » من أسرار البسلمة ما أبطل به مذهب النصارى ، فقال : بلغني أن بعض النصارى انتصر لدينه ، وانتزع من البسلمة الشريفة دليلا على تقوية اعتقاده في المسيح وصحة يقينه فقلب حروفها ونكر « 9 » معروفها وفرق مألوفها وقدم فيها وأخر وفكّر وقدر فقتل كيف قدر ، ثم عبس وبسر ، ثم أدبر واستكبر ، فقال : قد انتظم من البسملة : « المسيح ابن اللّه المحرر » ، وظن « 10 » ذلك سرا في قلب البسملة مضمرا ، وعلى جبين الكتاب العزيز مسطرا ، فنظرت إلى ما عزاه إلى البسملة واستخرجه من حروفها المستعملة والمهملة فإذا هو : « لا ما المسيح ابن اللّه محرر » ، فأسقط في يده « 11 » ، ونكص على عقبيه ، وقامت حجته من لسانه عليه ، ثم عاد إليّ رسوله يخبر أن الذي صح له نظمه وتمت « 12 » عنده منها حكمه : « ألم المسيح ابن اللّه محررا » ، فقلت : ورسل اللّه كلهم ألموا وأنبياؤه ، فأي خصوصية لربك بالنبوة ، وأي رتبة زدته بها على النبوة ، فقال : أردت بالألم إثبات ما أنكرته من الصلب ، ونفيته عنه من ألم الطعن والضرب ، وقد شهدت به كتب اللّه المنزلة ، وشافهتك به حروف البسملة ، فقلت : وهل شهدت لك إلا بالنقيض ، ورحت منها بأخيب قداح المفيض « 13 » ، وحيث رضيت البسملة بيننا وبينك حكما وجوزت منها أحكاما عليك وحكما ، فلتنصرن البسملة الأخيار منا على الأشرار ، ولتفضلن أصحاب الجنة على أصحاب النار ، وحيث كان مقصودك من ذكر الألم الإفصاح عما أردته من الصلب والطعن والضرب والثلب
هامش
( 1 ) في ب : قال . وهو تحريف . ( 2 ) إن : سقط من ب . ( 3 ) انظر الفخر الرازي 24 / 194 . ( 4 ) في ب : قادرا عالما . ( 5 ) في ب : حكما . ( 6 ) انظر الفخر الرازي 24 / 194 . ( 7 ) في الأصل : قوله . ( 8 ) محمد بن سعيد بن حماد بن عبد اللّه الصنهاجي البوصيري المصري شرف الدين شاعر حسن الديباجة مليح المعاني نسبته إلى بوصير له ديوان شعر وأشهر شعره البردة ، والهمزية . مات سنة 696 ه بالإسكندرية . الاعلام 6 / 139 . ( 9 ) في ب : وأنكر . ( 10 ) في النسختين : وظن أن ، والصواب ما أثبت . ( 11 ) في ب : يديه . ( 12 ) في ب : ثبت . ( 13 ) أفاض الرجل بالقداح إفاضة : ضرب بها لأنها تقع منبثة متفرقة . اللسان ( فيض ) .