تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 548

مساهمون:

ص٥٤٨
اللّه مريد لكفر من يكفر قال : ودلّ « 1 » قوله :
« فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً »
على قدرتهم على فعل هذا التذكر ؛ إذ لو لم يقدروا لما جاز أن يقال : أبوا أن يفعلوه ، كما لا يقال في الزمن أبى أن يسعى « 2 » . وقال الكعبي : قوله : « ولقد صرّفناه بينهم ليذّكّروا » ( حجة على من زعم أن القرآن وبال على الكافرين ، وأنه لم يرد بإنزاله أن يؤمنوا ، لأن قوله : « ليذّكّروا » ) « 3 » عامّ في الكل ، وقوله تعالى :
أَكْثَرُ النَّاسِ
يقتضي أن يكون هذا « 4 » الأكثر داخلا في ذلك العام ، لأنه لا يجوز أن يقال أنزلناه على قريش ليؤمنوا فأبى أكثر بني تميم إلا كفورا . والجواب قد تقدم مرارا « 5 » . قوله تعالى :
وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً
رسولا ينذرهم ، والمراد من ذلك تعظيم النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - من وجوه : أحدها : أنه تعالى بين أنه مع القدرة على بعثه نذيرا ورسولا في كل قرية خصه بالرسالة وفضّله بها على الكل ، ولذلك أتبعه بقوله :
« فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ »
أي : لا توافقهم . وثانيها : المراد : ولو شئنا لخففنا عنك أعباء الرسالة إلى كل العالمين و « لبعثنا في كلّ قرية نذيرا » ولكنا قصرنا الأمر عليك وأجللناك وفضلناك على سائر الرسل ، فقابل هذا الإجلال بالتشدّد « 6 » في الدين . وثالثها : أن الآية تقتضي مزج اللطف بالعنف ، لأنها تدل على القدرة على أن يبعث في كل قرية نذيرا مثل محمد ، وأنه لا حاجة بالحضرة الإلهية إلى محمد البتة . وقوله :
« وَلَوْ شِئْنا »
يدل على أنه تعالى لا يفعل ذلك « 7 » . والمعنى : ولكن بعثناك إلى القرى كلها وحمّلناك ثقل نذارة « 8 » جميعها لتستوجب بصبرك عليه ما اعتدنا لك من الكرامة والدرجة الرفيعة « 9 » .
« فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ »
فيما يدعونك إليه من موافقتهم وهذا يدل على أن النهي عن الشيء لا يقتضي كون المنهي عنه مشتغلا به « 10 » . قوله :
« وَجاهِدْهُمْ بِهِ »
أي : بالقرآن « 11 » ، أو بترك الطاعة المدلول عليه بقوله : « فلا تطع » ، أو بما دل عليه « ولو شئنا لبعثنا في كلّ قرية نذيرا » من كونه نذير كافة القرى ، أو بالسيف « 11 » . والأقرب الأول ؛ لأن السورة مكية ، والأمر بالقتال ورد بعد الهجرة بزمان ، فالمراد بذل الجهد في الدعاء جهادا كبيرا شديدا .
هامش
( 1 ) في ب : ويدل . ( 2 ) انظر الفخر الرازي 24 / 99 . ( 3 ) ما بين القوسين سقط من ب . ( 4 ) هذا : سقط من ب . ( 5 ) انظر الفخر الرازي 24 / 99 . ( 6 ) في ب : بالتشديد . وهو تصحيف . ( 7 ) انظر الفخر الرازي 24 / 99 . ( 8 ) نذارة : سقط من ب . ( 9 ) انظر البغوي 6 / 185 . ( 10 ) انظر الفخر الرازي 24 / 100 . ( 11 ) انظر القرطبي 13 / 58 .