يفعلون « 1 » فإن قيل : لم قال :
« أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ »
فحكم بذلك على الأكثر دون الكل ؟
فالجواب : لأنه كان فيهم من يعرف اللّه ويعقل الحق إلا أنه ترك الإسلام لحبّ الرياسة لا للجهل « 2 » . فإن قيل : إنه تعالى لما نفى عنهم السمع والعقل فكيف ذمهم على الإعراض عن الدين ، وكيف بعث الرسول إليهم ، فإن « 3 » من شرط التكليف العقل ؟ فالجواب : ليس المراد أنهم لا يعقلون بل المراد أنهم لم ينتفعوا بذلك العقل ، فهو كقول الرجل لغيره إذا لم يفهم : إنما أنت أعمى وأصم « 4 » .
قوله تعالى :
[ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 45 إلى 49 ]
أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً ( 45 ) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً ( 46 ) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً ( 47 ) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً ( 48 ) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً ( 49 )
قوله تعالى « 5 » :
أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ
الآية . لما بين جهل المعرضين عن دلائل التوحيد ، وبين فساد طريقهم ذكر أنواعا من الدلائل الدالة على وجود الصانع ، فأولها الاستدلال بحال الظل في زيادته ونقصانه ، وتغير أحواله « 6 » قوله :
« أَ لَمْ تَرَ »
فيه وجهان « 7 » :
أحدهما : أنه من رؤية العين .
والثاني : أنه من رؤية القلب ، يعني : العلم ، فإن حملناه على رؤية العين ، فالمعنى :
ألم تر إلى الظل كيف مده ربّك ، وإن حملناه على العلم وهو اختيار الزجاج « 8 » ، فالمعنى : ألم تعلم ، وهذا أولى ، لأن الظل إذا جعلناه من المبصرات فتأثير قدرة اللّه في تمديده غير مرئي بالاتفاق ولكنه « 9 » معلوم من حيث أن كل مبصر فله مؤثر ، فحمل هذا اللفظ على رؤية القلب أولى من هذا الوجه « 10 » . وهذا الخطاب وإن « 11 » كان ظاهره للرسول فهو عام في المعنى ، لأن المقصود بيان نعم اللّه تعالى « 12 » بالظل ، وجميع المكلفين مشتركون في تنبيههم لهذه « 13 » النعمة « 14 » و « كيف » منصوبة ب « مدّ » ، وهي
هامش
( 1 ) انظر الفخر الرازي 24 / 86 - 87 .
( 2 ) انظر الفخر الرازي 24 / 86 .
( 3 ) في ب : وإن .
( 4 ) انظر الفخر الرازي 24 / 87 .
( 5 ) تعالى : سقط من ب .
( 6 ) انظر الفخر الرازي 24 / 88 .
( 7 ) في ب : وجهين . وهو تحريف .
( 8 ) فإنه قال : ( والأجود أن يكون بمعنى : ألم تعلم ) معاني القرآن وإعرابه 4 / 70 .
( 9 ) في ب : ولكن هو .
( 10 ) انظر الفخر الرازي 24 / 88 .
( 11 ) في ب : إن .
( 12 ) تعالى : سقط من ب .
( 13 ) في ب : بهذه .
( 14 ) انظر الفخر الرازي 24 / 88 .