قال الكلبي : نزل هذا كله في أبي جهل والكفار الذين ذكروا تلك الشبهات « 1 » .
قوله تعالى :
[ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 15 إلى 16 ]
قُلْ أَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً ( 15 ) لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلاً ( 16 )
قوله تعالى :
أَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ
الآية . لما وصف العقاب المعد للمكذبين بالساعة أتبعه بما يؤكد الحسرة والندامة فقال :
« أَ ذلِكَ خَيْرٌ »
.
فإن قيل : كيف يقال : العذاب خير أم جنة الخلد ؟ وهل يجوز أن يقول العاقل :
السكر أحلى أم الصبر ؟ فالجواب : هذا يحسن في معرض التقريع كما إذا أعطى السيد عبده مالا فتمرد وأبى واستكبر فضربه ويقول له : أهذا « 2 » خير أم ذلك « 3 » ؟
فصل : [ في معنى قوله : « جَنَّةُ الْخُلْدِ »
]
قال أبو مسلم : جنة الخلد : هي التي لا ينقطع نعيمها ، والخلد والخلود سواء « 4 » كالشكر والشكور ، قال تعالى :
لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً
[ الإنسان : 9 ] . فإن قيل : الجنة اسم لدار مخلدة ، فأي فائدة في قوله :
« جَنَّةُ الْخُلْدِ »
؟ فالجواب : الإضافة قد تكون للتبيين ، وقد تكون لبيان صفات الكمال ، كقوله تعالى :
« الْخالِقُ الْبارِئُ »
« 5 » وهذا من هذا الباب « 6 » .
فصل : [ في احتجاج المعتزلة بهذه الآية على إثبات الاستحقاق ]
احتج المعتزلة بهذه الآية على إثبات الاستحقاق من وجهين :
الأول : اسم الجزاء لا يتناول إلا المستحق ، فأما الموعود بمحض التفضيل فلا يسمى جزاء .
والثاني : لو كان المراد بالجزاء ما صرتم إليه بمجرد الوعد فلا يبقى بين قوله :
« جزاء » وبين قوله : « مصيرا » تفاوت ، فيصير ذلك تكريرا من غير فائدة .
والجواب : أنه لا نزاع في كونه جزاء إنما النزاع في أن كونه جزاء ثبت بالوعد أو بالاستحقاق ، وليس في الآية ما يدل على التعيين « 7 » .
فإن قيل : إن الجنة ستصير للمتقين جزاء ومصيرا لكنها بعد ما صارت كذلك ، فلم قال اللّه
« كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً »
؟
فالجواب من وجهين :
هامش
( 1 ) انظر الفخر الرازي 24 / 57 .
( 2 ) في الأصل : هذا .
( 3 ) انظر الفخر الرازي 24 / 57 .
( 4 ) في اللسان ( خلد ) : خلد يخلد خلدا وخلودا : بقي ودام .
( 5 ) من قوله تعالى :هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى[ الحشر : 24 ] .
( 6 ) انظر الفخر الرازي 24 / 57 - 58 .
( 7 ) انظر الفخر الرازي 24 / 58 .