وعلى هذا فالضمير في « أنزلناها » ليس عائدا على « سورة » بل على الأحكام ، كأنه قيل : أنزلنا الأحكام سورة من سور القرآن ، فهذه الأحكام ثابتة بالقرآن بخلاف غيرها فإنه قد ثبت بالسّنّة « 1 » ، وتقدم معنى الإنزال .
قوله « 2 » :
« وَفَرَضْناها »
قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتشديد « 3 » . والباقون بالتخفيف « 4 » .
فالتشديد إمّا للمبالغة في الإيجاب وتوكيد ، وإمّا لتكثير المفروض عليهم ، وإمّا لتكثير الشيء المفروض . والتخفيف بمعنى : أوجبناها وجعلناها مقطوعا بها . وقيل :
ألزمناكم العمل بها وقيل : قدرنا ما فيها من الحدود .
والفرض : التقدير ، قال اللّه ( تعالى ) « 5 » :
« فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ »
« 6 » أي : قدرتم ،
« إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ »
« 7 » . ثم إنّ السورة لا يمكن فرضها لأنها قد دخلت في الوجود ، وتحصيل الحاصل محال ، فوجب أن يكون المراد : فرضنا ما بيّن فيها من الأحكام « 8 » ، ثم قال :
« وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ
« 9 »
بَيِّناتٍ »
واضحات .
« لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ »
تتعظون ، وأراد ب « الآيات » ما ذكر في السورة من الأحكام والحدود ودلائل التوحيد .
وقرىء « تذكّرون » بتشديد الذال وتخفيفها « 10 » . وتقدم معنى « لعلّ » في سورة البقرة « 11 » .
قال القاضي : « لعلّ » بمعنى « كي » « 12 » .
فإن قيل : الإنزال يكون من صعود إلى نزول ، وهذا يدل على أنه تعالى في جهة ؟
فالجواب : أن جبريل كان يحفظها من اللوح ثم ينزلها « 13 » على النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - فقيل :
« أنزلناها » توسعا .
وقيل : إن اللّه تعالى أنزلها من أم الكتاب إلى السماء الدنيا دفعة واحدة ، ثم أنزلها بعد ذلك على لسان جبريل - عليه السلام « 14 » - .
هامش
( 1 ) في ب : بالنسبة . وهو تحريف .
( 2 ) قوله : سقط من ب .
( 3 ) في ب : بالتشد .
( 4 ) السبعة ( 452 ) ، الحجة لابن خالويه ( 259 ) ، الكشف 2 / 133 ، النشر 2 / 330 ، الإتحاف 322 .
( 5 ) ما بين القوسين سقط من الأصل .
( 6 ) من قوله تعالى :وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ[ البقرة : 237 ] .
( 7 ) [ القصص : 85 ] .
( 8 ) الفخر الرازي 23 / 130 .
( 9 ) آيات : سقط من ب .
( 10 ) الكشاف 3 / 59 .
( 11 ) عند قوله تعالى :يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[ البقرة : 21 ] .
( 12 ) انظر الفخر الرازي 13 / 131 .
( 13 ) في ب : ينزل بها .
( 14 ) في ب : عليه الصلاة والسلام .