باطلا ، لأنه
« لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ »
لا حجّة ولا بيّنة ، لأنه لا حجّة في دعوى الشرك ، وهذا يدل على صحة النظر وفساد التقليد . ثم قال :
« فَإِنَّما حِسابُهُ »
أي : جزاؤه عند ربه يجازيه بعمله كما قال :
« إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ »
« 1 » كأنّه قال : إن عقابه بلغ إلى حيث لا يقدر أحد على حسابه إلّا اللّه « 2 » .
قوله :
« إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ »
فشتّان ما بين فاتحة السورة وخاتمتها . قرأ الجمهور بكسر همزة ( إنّه ) على الاستئناف المفيد للعلة « 3 » . وقرأ الحسن وقتادة « أنّه » بالفتح « 4 » ، وخرّجه الزمخشري على أن يكون خبر « حسابه » قال : ومعناه حسابه عدم الفلاح ، والأصل حساب أنّه لا يفلح هو ، فوضع الكافرون في موضع الضمير ، لأن « من يدع » في موضع الجمع ، وكذلك حسابه أنّه لا يفلح في معنى حسابهم أنهم لا يفلحون « 5 » . انتهى .
ويجوز أن يكون ذلك على حذف حرف العلة أي : لأنّه لا يفلح « 6 » . وقرأ الحسن :
« لا يُفْلِحُ »
« 7 » مضارع ( فلح ) بمعنى ( أفلح ) ( فعل ) و ( أفعل ) فيه بمعنى ، واللّه أعلم .
فصل
المعنى لا يسعد من جحد وكذّب ، وأمر الرسول بأن يقول :
« رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ »
ويثني عليه بأن
« خَيْرُ الرَّاحِمِينَ »
، وقد تقدّم بيان كونه
« أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ »
« 8 » .
فإن قيل : كيف اتصال هذه الخاتمة بما قبلها ؟
فالجواب : أنّه سبحانه لما شرح أحوال الكفار في جهلهم في الدنيا وعذابهم في الآخرة أمر بالانقطاع إلى اللّه والالتجاء إلى غفرانه ورحمته ، فإنهما العاصمان عن كل الآفات والمخافات « 9 » .
روي أنّ أوّل سورة ( قد أفلح ) وآخرها من كنوز العرش من عمل بثلاث آيات من أولها ، واتعظ بأربع من آخرها فقد نجا وأفلح « 10 » . وروى الثعلبي في تفسيره عن أبي بن كعب قال : قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « من قرأ سورة المؤمنون بشرته الملائكة بالرّوح والرّيحان ، وما تقرّ به عينه عند نزول ملك الموت » « 11 » .
هامش
( 1 ) [ الغاشية : 26 ] .
( 2 ) انظر الفخر الرازي 23 / 129 .
( 3 ) انظر التبيان 2 / 962 ، البحر المحيط 6 / 425 .
( 4 ) المختصر ( 99 ) ، المحتسب 2 / 98 ، الكشاف 3 / 58 ، البحر المحيط 6 / 425 .
( 5 ) الكشاف 3 / 58 .
( 6 ) انظر التبيان 2 / 962 .
( 7 ) المختصر ( 99 ) ، البحر المحيط 6 / 425 .
( 8 ) عند قوله تعالى :وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ[ الأنبياء : 38 ] .
( 9 ) انظر الفخر الرازي 23 / 129 .
( 10 ) انظر الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف ( 116 ) ، وفيه قال ابن حجر لم أجده .
( 11 ) انظر الكافي الشاف ( 116 ) .