وفي المعين قولان « 1 » :
أحدهما : أنّه مفعول ، لأنه لظهوره مدرك بالعين من عانه : إذا أدركه بعينه .
وقال الفراء « 2 » والزجاج « 3 » : إن شئت جعلته ( فعيلا ) من الماعون ، ويكون أصله من المعن « 4 » والماعون فاعول منه . قال أبو علي : والمعين : السهل الذي ينقاد ولا يتعاصى ، والماعون ما سهل على معطيه . قالوا : وسبب الإيواء أنها فرّت بابنها عيسى إلى الربوة وبقيت بها اثنتي عشرة « 5 » سنة ، وإنما ذهب بها ابن عمها يوسف ، ثم رجعت إلى أهلها بعدما مات ملكهم « 6 » .
قوله تعالى :
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 51 إلى 56 ]
يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ( 51 ) وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ( 52 ) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ( 53 ) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ ( 54 ) أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ ( 55 )
نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ ( 56 )
قوله تعالى :
« يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ »
الآية .
اعلم أنّ هذا خطاب مع « 7 » كل الرسل ، وذلك غير ممكن ، لأنّ الرّسل إنّما أرسلوا متفرقين في أزمنة مختلفة ، فلهذا تأوّلوه على وجوه :
فقيل : معناه الإعلام بأن كلّ رسول نودي في زمانه بهذا المعنى ، ووصي به ، ليعتقد السامع أن أمرا نودي له جميع الرسل ، ووصوا به ، حقيق أن يؤخذ ويعمل عليه .
وقال الحسن ومجاهد وقتادة والسدي والكلبي وجماعة : أراد به محمدا - عليه السلام « 8 » - وحّده على مذهب العرب في مخاطبة الواحد بلفظ الجماعة كقولك للواحد :
أيّها القوم كفّوا عنّا أذاكم ولأنه ذكر ذلك بعد انقضاء أخبار الرسل . وقال ابن جرير « 9 » :
المراد عيسى - عليه السلام « 10 » - لأنه إنما ذكر بعد ذكره مكانه الجامع للطعام والشراب ، ولأنه روي « أنّ عيسى عليه الصلاة والسلام كان يأكل من غزل أمه » « 11 » .
هامش
( 1 ) من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي 23 / 104 .
( 2 ) قال الفراء : ( وقوله : « ومعين » : الماء الجاري . ولك أن تجعل المعين مفعولا من العيون ، وأن تجعله فعيلا من الماعون ويكون أصله المعن ) معاني القرآن 2 / 237 .
( 3 ) قال الزجاج : ( و « معين » ماء جار من العيون . وقال بعضهم : يجوز أن يكون فعيلا من المعن مشتقا من الماعون . وهذا بعيد ، لأن المعن في اللغة الشيء القليل ، والماعون هو الزكاة ، وهو فاعل من المعن ) معاني القرآن وإعرابه 4 / 15 .
( 4 ) في النسختين : المعين .
( 5 ) في النسختين : اثني عشر .
( 6 ) آخر ما نقله عن الفخر الرازي 23 / 104 .
( 7 ) من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي 23 / 105 .
( 8 ) في ب : عليه الصلاة والسلام .
( 9 ) جامع البيان 18 / 22 .
( 10 ) في ب : عليه الصلاة والسلام .
( 11 ) انظر جامع البيان 18 / 22 ، الدر المنثور 5 / 10 .