بل المعنى الصحيح ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم « 1 » يعملون بشرائعها ، ومواعظها ، فذكر موسى والمراد آل موسى كما يقال : هاشم وثقيف . والمراد قومهم « 2 » .
قوله تعالى :
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 50 ]
وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ ( 50 )
قوله تعالى :
« وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً »
والمراد عيسى - عليه السلام « 3 » - وأمه « آية » دلالة على قدرتنا . ولم يقل آيتين قيل : معناه جعلنا شأنهما آية . وقيل المعنى كل واحد آية كقوله :
« كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها
« 4 » » « 5 » . قال المفسرون : معنى كون عيسى وأمه آية أنه خلق من غير ذكر ، وأنطقه في المهد في الصغر ، وأجرى على يده إبراء الأكمه « 6 » والأبرص « 7 » ، وإحياء الموتى وأمّا مريم فلأنها حملت من غير ذكر « 8 » . وقال الحسن :
تكلّمت مريم في صغرها كما تكلّم عيسى وهو قولها :
« هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ »
« 9 » ، ولم تلقم ثديا قط « 10 » . قال ابن الخطيب : والأقرب أن جعلهما آية هو نفس الولادة ، لأنه ولد من غير ذكر وولدته من دون ذكر فاشتركا جميعا في هذا الأمر العجيب الخارق للعادة ، ويدل على هذا وجهان :
الأول : قوله :
وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً
لأن نفس المعجز ظهر منهما ، لا أنّه ظهر على يديهما ، لأنّ الولادة فيه وفيها « 11 » بخلاف الآيات التي ظهرت على يده .
الثاني : قوله :
آيَةً
ولم يقل آيتين ، وحمل هذا اللفظ على الأمر الذي لا يتمّ إلا بمجموعهما أولى ، وذلك هو الولادة لا المعجزات التي كانت لعيسى « 12 » .
قوله :
وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ
« الرّبوة » و « الرّباوة » في رائهما « 13 » الحركات الثلاثة « 14 » « 15 » ، وهي الأرض المرتفعة .
هامش
( 1 ) لعلهم : سقط من ب .
( 2 ) انظر الكشاف 3 / 49 . بتصرف ، والفخر الرازي 23 / 103 .
( 3 ) في ب : عليه الصلاة والسلام .
( 4 ) [ الكهف : 33 ] .
( 5 ) انظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج 4 / 14 ، الكشاف 3 / 49 .
( 6 ) الأكمه : الكمه في التفسير : العمى الذي يولد به الإنسان . كمه بصره - بالكسر - كمها وهو أكمه إذا اعترته ظلمة تطمس عليه . والأكمه : الذي يولد أعمى . اللسان ( كمه ) .
( 7 ) البرص : داء معروف ، وهو بياض يقع في الجسد ، برص برصا ، والأنثى برصاء . ورجل أبرص ، وحيّة برصاء : في جلدها لمع بياض ، وجمع الأبرص برص . اللسان ( برص ) .
( 8 ) انظر الفخر الرازي 23 / 103 .
( 9 ) [ آل عمران : 37 ] .
( 10 ) انظر الفخر الرازي 23 / 103 .
( 11 ) في ب : فيها .
( 12 ) الفخر الرازي 23 / 103 - 104 .
( 13 ) في النسختين : رائها .
( 14 ) في ب : الثلاث .
( 15 ) كلها لغات قرىء بها ، فقرأ عاصم وابن عامر« إِلى رَبْوَةٍ »فتحا وباقي السبعة « ربوة » ضما وقرأ ابن عباس ونصر عن عاصم بكسرها . وقرأ محمد بن إسحاق « رباوة » بضم الراء وبالألف ، وقرأ زيد بن -