يماثل الآخر في ذاته ولوازمه ، فلا بدّ من أمر لأجله يصير السجود في إحدى الصورتين طاعة ، وفي الأخرى معصية ، قالوا : وما ذاك إلا القصد والإرادة ، والمراد من القصد :
إيقاع تلك الأفعال لداعية الامتثال ، وهذه الداعية لا يمكن حصولها إلا عند الحضور « 1 » .
قوله :
« وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ »
قال عطاء « 2 » عن ابن عباس : عن الشرك « 3 » .
وقال الحسن : عن المعاصي « 4 » . وقال الزجاج : كل باطل ، ولهو « 5 » وما لا يجمل « 6 » من القول والفعل « 7 » . وقيل : هو معارضة الكفار بالشتم والسب ، قال اللّه تعالى :
« وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً »
« 8 » أي : إذا سمعوا الكلام القبيح أكرموا أنفسهم عن الدخول فيه « 9 » .
واعلم أن اللغو قد يكون كفرا كقوله تعالى :
« لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ »
« 10 » ، وقد يكون كذبا لقوله « 11 » تعالى :
« لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً »
« 12 » ، وقوله :
« لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً »
« 13 » . ولما وصفهم بالخشوع في الصلاة أتبعه بوصفهم بالإعراض عن اللغو ليجمع لهم الفعل والترك « 14 » .
قوله :
« وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ »
اللام في قوله : « للزّكاة » مزيدة في المفعول لتقدمه على عامله « 15 » ، ولكونه فرعا « 16 » . والزكاة في الأصل مصدر ، ويطلق على القدر المخرج من الأعيان ، وقال الزمخشري : اسم مشترك بين عين ومعنى ، فالعين القدر الذي يخرجه المزكي من النصاب ، والمعنى فعل المزكي ، وهو الذي أراده اللّه فجعل المزكين فاعلين له ، ولا يسوغ فيه غيره ، لأنه ما من مصدر إلا يعبر عنه بالفعل ، ويقال لمحدثه فاعل ، تقول للضارب : فاعل الضرب ، وللقاتل : فاعل القتل ، وللمزكي : فاعل التزكية ، وعلى هذا الكلام كله ، والتحقيق في هذا أنك تقول في جميع الحوادث : ( من فعل هذا ) فيقال لك : فاعله اللّه أو بعض الخلق ، ولم يمتنع الزكاة الدالة على العين أن يتعلق بها ( فاعلون ) « 17 » لخروجها من صحة أن يتناولها الفاعل ، ولكن لأنّ الخلق ليسوا بفاعليها ، وقد أنشدوا لأمية بن أبي الصلت :
هامش
( 1 ) الفخر الرازي 23 / 78 - 80 .
( 2 ) من هنا نقله ابن عادل عن البغوي 6 / 6 .
( 3 ) في الأصل : عن الشعبي . وهو تحريف .
( 4 ) في الأصل : عن ابن العاصي . وهو تحريف .
( 5 ) في ب : وهو . وهو تحريف .
( 6 ) في ب : يحل . وهو تحريف .
( 7 ) قال الزجاج : ( اللغو كل لعب وهزل ، وكل معصية فمطرحة ملغاة ، وهم الذين قد شغلهم الجد فيما أمرهم اللّه به عن اللغو ) معاني القرآن وإعرابه 4 / 6 .
( 8 ) من قوله تعالى :وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً[ الفرقان : 72 ] .
( 9 ) آخر ما نقله هنا عن البغوي 6 / 6 .
( 10 ) من قوله تعالى :وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ[ فصلت : 26 ] .
( 11 ) في الأصل : كقوله . وهو تحريف .
( 12 ) [ الغاشية : 11 ] .
( 13 ) [ الواقعة : 25 ] . انظر الفخر الرازي 23 / 80 .
( 14 ) انظر الفخر الرازي 23 / 80 .
( 15 ) في الأصل : حاله . وهو تحريف .
( 16 ) البحر المحيط 6 / 395 .
( 17 ) ما بين القوسين تكملة من الكشاف .