قال أبو مسلم : قوله : « لهم » عام لكل معذب ، فيقول : لهم زفير من شدة ما ينالهم والضمير في قوله :
« وَهُمْ فِيها »
يرجع إلى المعبودين أي : لا يسمعون صراخهم وشكواهم ، ومعناه أنهم « 1 » لا يغيثونهم ، وشبهه : ( سمع اللّه لمن حمده ) ، أي : أجاب اللّه دعاه .
وقوله :
« وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ »
على قول أبي مسلم محمول على الأصنام .
ومن حمله على الكفار فيحتمل ثلاثة أوجه :
أحدها : أنّ الكفار يحشرون صما كما يحشرون عميا زيادة في عذابهم .
والثاني : لا يسمعون ما ينفعهم ، لأنهم إنما يسمعون أصوات المعذبين ، أو كلام من يتولى تعذيبهم من الملائكة .
والثالث : قال ابن مسعود - رضي اللّه عنه - : إنّ الكفار يجعلون في توابيت « 2 » ( من نار ، ثم يجعل تلك التوابيت في توابيت أخر ، ثم تلك التوابيت في توابيت ) « 3 » أخر من نار عليها مسامير من نار ، فلذلك لا يسمعون شيئا ، ولا يرى أحد منهم أنّ أحدا يعذب غيره . والأول ضعيف ، لأنّ أهل النار يسمعون كلام أهل الجنة ، فلذلك يستغيثون بهم على ما ذكره اللّه تعالى في سورة الأعراف « 4 » « 5 » .
قوله تعالى :
[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 101 إلى 103 ]
إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ ( 101 ) لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ ( 102 ) لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ( 103 )
قوله :
« إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى »
الآية . قال بعض أهل العلم « 6 » « إنّ » ههنا بمعنى ( إلا ) أي : إلا الذين سبقت لهم منا الحسنى « 7 » .
قال ابن الخطيب : قد بينا فساد هذا القول ، وذكرنا « 8 » أنّ سؤال ابن الزبعرى لم يكن واردا « 9 » ، فلم يبق إلا أحد أمرين :
هامش
( 1 ) أنهم : سقط من الأصل .
( 2 ) التوابيت جمع تابوت ، وهو الصندوق الذي يحرز فيه المتاع ، وعند قدماء المصريين صندوق من حجر أو خشب توضع فيه الجثة ، عليه من الصور والرسوم ما يصور آمال المصريين وعقائدهم في العالم الآخر . المعجم الوسيط 1 / 84 ( تبت )
( 3 ) ما بين القوسين سقط من ب .
( 4 ) في قوله تعالى :وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ[ الأعراف : 50 ] .
( 5 ) آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي 22 / 225 .
( 6 ) من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي 22 / 226 .
( 7 ) قال القرطبي : ( فمعنى الكلام الاستثناء ، ولهذا قال بعض أهل العلم : « إن » هنا بمعنى ( إلا ) وليس في القرآن غيره ) تفسير القرطبي 11 / 345 .
( 8 ) في ب : وذكر .
( 9 ) انظر ما سبق قريبا .