تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 465

مساهمون:

ص٤٦٥
قال الزمخشري : فإن قلت : الاستحسار مبالغة في الحسور ، فكان الأبلغ في وصفهم أن ينفي عنهم أدنى الحسور . قلت : في الاستحسار بيان أن ما هم فيه يوجب غاية الحسور وأقصاه ، وأنهم أحقاء لتلك العبادات الشاقة « 1 » بأن « 2 » يستحسروا فيما يفعلون « 3 » . وهو سؤال حسن وجواب مطابق . قوله : « يسبّحون » يجوز أن يكون مستأنفا ، وأن يكون حالا من الفاعل في الجملة قبله « 4 » . و
« لا يَفْتُرُونَ »
يجوز فيه الاستئناف ، والحال من فاعل « يسبّحون » « 5 » . فصل دلّت هذه الآية على أن الملك أفضل من البشر من ثلاثة أوجه تقدمت في البقرة « 6 » . والمراد بقوله :
« وَمَنْ عِنْدَهُ »
هم الملائكة بالإجماع وصفهم اللّه تعالى بأنهم
« يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ »
وهذا لا يليق بالبشر ، وهذه العندية عندية الشرف لا عندية المكان والجهة « 7 » . روى عبد اللّه بن الحارث بن نوفل « 8 » قال : قلت لكعب : أرأيت قول اللّه تعالى :
« يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ »
ثم قال :
« جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا »
« 9 » أفلا تكون الرسالة مانعة لهم عن ذلك التسبيح ، وأيضا قال :
« أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ »
« 10 » فكيف يشتغلون باللعن حال اشتغالهم بالتسبيح ؟ أجاب كعب الأحبار وقال : التسبيح لهم كالتنفس لنا ، فكما أن اشتغالنا بالتنفس لا يمنعنا الكلام فكذلك اشتغالهم بالتسبيح لا يمنعهم من سائر الأعمال « 11 » . فإن قيل : هذا القياس غير صحيح ، لأن الاشتغال بالتنفس إنما لم يمنع من الكلام ؛ لأن آلة التنفس غير آلة الكلام ، وأما التسبيح واللعن فهما من جنس الكلام فاجتماعهما محال . فالجواب : أي استبعاد في أن يخلق اللّه لهم ألسنة كثيرة ببعضها « 12 » يسبح اللّه
هامش
( 1 ) في ب : الباهظة . ( 2 ) في النسختين : بأن لا . والتصويب من الفخر الرازي . ( 3 ) الكشاف 3 / 6 . ( 4 ) انظر التبيان 2 / 914 . ( 5 ) المرجع السابق . ( 6 ) عند قوله تعالى :وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ[ البقرة : 34 ] انظر اللباب 1 / 120 . وانظر الفخر الرازي 22 / 148 . ( 7 ) المرجع السابق . ( 8 ) هو عبد اللّه بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي أبو محمد المدني . روى عن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - مرسلا وعن عمر وعثمان وعلي وعن أبيه ، وغيرهم ، وروى عنه أبناؤه عبد اللّه وإسحاق وعبد الملك بن عمير ، وغيرهم ، مات سنة ( 99 ه ) . تهذيب التهذيب 5 / 180 - 181 . ( 9 ) من قوله تعالى :الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[ فاطر : 1 ] . ( 10 ) من قوله تعالى :إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ[ البقرة : 161 ] . ( 11 ) انظر الفخر الرازي 22 / 149 . ( 12 ) في ب : بعضها .