تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
[ آل عمران : 59 ] ، فثبت أن عيسى - صلوات اللّه عليه - كما قال اللّه تعالى : « كن » فكان ، وهذا مما لا يتصوّر فيه مدّة الحمل ، إنّما يتصوّر مدّة الحمل في المتولّد عن النّطفة . والقصيّ : البعيد . يقال : مكان قاص ، وقصيّ بمعنى واحد ؛ مثل : عاص وعصيّ . قوله تعالى :
فَأَجاءَهَا :
الأصل في « جاء » : أن يتعدّى لواحد بنفسه ، فإذا دلت عليه الهمزة ، كان القياس يقتضي تعدّيه لاثنين ، قال الزمخشريّ : « إلّا أنّ استعماله قد تغيّر بعد النّقل إلى معنى الإلجاء ، ألا تراك لا تقول : جئت المكان ، وأجاءنيه زيد ؛ كما تقول : بلغته وأبلغنيه ، ونظيره « آتى » حيث لم يستعمل إلا في الإعطاء ، ولم تقل : أتيت المكان وآتانيه فلان » . وقال أبو البقاء « 1 » : الأصل « جاءها » ثم عدّي بالهمزة إلى مفعول ثان ، واستعمل بمعنى « ألجأها » . قال أبو حيّان : قوله : إنّ « أجاءها » [ استعمل ] « 2 » بمعنى « ألجأها » يحتاج إلى نقل أئمة اللغة المستقرئين لذلك من لسان العرب ، والإجاءة تدلّ على المطلق ، فتصلح لما هو بمعنى « الإلجاء » ولما هو بمعنى « الاختيار » كما تقول : « أقمت زيدا » فإنه يصلح أن تكون إقامتك له قسرا أو اختيارا ، وأمّا قوله : « ألا تراك لا تقول » إلى آخره ، فمن رأى أنّ التعدية ، بالهمزة قياس ، أجاز ذلك ، وإن لم يسمع ، ومن منع ، فقد سمع ذلك في « جاء » فيجيز ذلك ، وأمّا تنظيره ذلك ب « آتى » فليس تنظيرا صحيحا ؛ لأنّه بناه على أنّ همزته للتعدية ، وأنّ أصله « آتى » بل « آتى » ممّا بني على « أفعل » ولو كان منقولا من « أتى » المتعدّي لواحد ، لكان ذلك الواحد هو المفعول الثاني ، والفاعل هو الأوّل ، إذا عدّيته بالهمزة ، تقول : « أتى المال زيدا » و « آتى عمرو زيدا المال » فيختلف التركيب بالتعدية ؛ لأنّ « زيدا » عند النحويّين هو المفعول الأول ، و « المال » هو المفعول الثاني ، وعلى ما ذكره الزمخشريّ ، كان يكون العكس ، فدلّ على أنّه ليس على ما قاله ، وأيضا ، ف « أتى » مرادف ل « أعطى » ، فهو مخالف من حيث الدلالة في المعنى ، وقوله : « ولم تقل : أتيت المكان ، وآتانيه » هذا غير مسلم ، بل تقول : « أتيت المكان » كما تقول : « جئت المكان » وقال الشاعر : [ الوافر ]
3586 - أتوا ناري فقلت منون أنتم * فقالوا : الجنّ قلت عموا ظلاما « 3 »
هامش
( 1 ) ينظر : الإملاء 2 / 112 . ( 2 ) سقط من أ . ( 3 ) البيت لشمر بن الحارث وقيل لغيره ينظر : شواهد الكتاب 2 / 411 ، الخصائص 1 / 129 ، المقتضب 2 / 306 ، شرح المفصل لابن يعيش 2 / 257 ، الأشموني 4 / 91 ، المقرب 1 / 300 ، الهمع 2 / 257 ، التصريح 2 / 283 ، البحر 6 / 172 ، الدر المصون 4 / 498 .