تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
بمعنى « فاعل » فينبغي أن تكون بتاء التأنيث ؛ نحو : امرأة قديرة وبصيرة ، وقد أجيب عن ذلك : بأنها بمعنى النّسب ؛ كحائض وطالق ، أي ذات بغي ، وقال أبو البقاء « 1 » ، حين جعلها بمعنى « فاعل » : « ولم تلحق التّاء أيضا ؛ لأنها للمبالغة » فجعل العلة في عدم اللحاق كونه للمبالغة ؛ وليس بشيء ، وإن قيل بأنّها بمعنى « مفعول » فعدم الياء واضح . وتقدم الكلام على قوله :
قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ
وهو كقوله في آل عمران
كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
[ آل عمران : 47 ] لا يمتنع عليه ما يريد خلقه ، ولا يحتاج في إنشائه إلى الآلات والموادّ . قوله : « ولنجعله » يجوز أن يكون علّة ، ومعلّله محذوف ، تقديره : لنجعله آية للنّاس فعلنا ذلك ، ويجوز أن يكون نسقا على علة محذوفة ، تقديره : لنبيّن به قدرتنا ، ولنجعله آية ، والضمير عائد على الغلام ، واسم « كان » مضمر فيها ، أي : وكان الغلام ، أي : خلقه وإيجاده أمرا مقضيا : أي لا بدّ منه . والمراد ب « الآية » العلامة ، أي : علامة للنّاس ، ودلالة على قدرتنا على أنواع الخلق ؛ فإنه تعالى خلق آدم - صلوات اللّه عليه وسلامه - من غير ذكر ولا أنثى ، وخلق حوّاء من ذكر بلا أنثى ، وخلق عيسى - صلوات اللّه عليه - من أنثى بلا ذكر ، وخلق بقيّة النّاس من ذكر وأنثى .
وَرَحْمَةً مِنَّا
أي : ونعمة لمن تبعه على دينه ،
وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا
محكوما مفروغا منه ، لا يردّ ، ولا يبدّل . قوله تعالى :
فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ .
قيل : إنّ جبريل - صلوات اللّه عليه وسلامه - رفع درعها ، فنفخ في جيبه ، فحملت حين لبست . وقيل : نفخ جبريل من بعيد ، فوصل الرّيح إليها ، فحملت بعيسى في الحال . وقيل : إنّ النّفخة كانت في فيها ، فوصلت إلى بطنها . وقيل : كان النّافخ هو اللّه تعالى ؛ لقوله عزّ وجلّ :
فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا
[ التحريم : 12 ] . وظاهره ؛ يفيد أنّ النافخ هو اللّه تعالى ؛ ولأنه تعالى قال :
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ
[ آل عمران : 59 ] . ومقتضى التشبيه حصول المشابهة إلّا فيما أخرجه الدّليل ، وفي حقّ آدم النّافخ هو اللّه تعالى ؛ لقوله عزّ وجلّ :
وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
[ الحجر : 29 ] فكذا هاهنا ، وإذا عرفت هذا ، ظهر أن في الكلام حذفا ، تقديره : « فنفخ فيها ، فحملته » .
هامش
( 1 ) ينظر : المصدر السابق .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 36 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب