تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
قيل : حملت ، وهي بنت [ ثلاث عشرة سنة ] « 1 » . وقيل : بنت عشرين ، وقد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل ، وليس في القرآن ما يدلّ على شيء من هذه الأحوال . قوله تعالى :
فَانْتَبَذَتْ بِهِ :
الجارّ والمجرور في محلّ نصب على الحال ، أي : انتبذت ، وهو مصاحب لها ؛ كقوله : [ الوافر ]
3585 - . . . . . . . . . . . . . . . . . . * تدوس بنا الجماجم والتّريبا « 2 »
والمعنى : اعتزلت ، وهو في بطنها ؛ كقوله :
تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ
[ المؤمنون : 20 ] أي : تنبت ، والدّهن فيها .
مَكاناً قَصِيًّا :
بعيدا من أهلها . قال ابن عبّاس « 3 » - رضي اللّه عنهما - : أقصى الوادي ، وهو وادي بيت لحم ؛ فرارا من قومها أن يعيّروها بولادتها من غير زوج « 4 » . واختلفوا في علّة الانتباذ « 5 » « 6 » ؛ فروى الثعلبيّ في « العرائس » عن وهب قال : إنّ مريم لمّا حملت بعيسى - صلوات اللّه عليه - كان معها ابن عمّ لها يسمّى « يوسف النّجّار » ، وكانا منطلقين إلى المسجد الذي عند « جبل صهيون » ، وكانت مريم ويوسف يخدمان ذلك المسجد ، ولا يعلم من أهل زمانهما أحد أشدّ اجتهادا منهما ، وأوّل من عرف حمل مريم يوسف ، فتحير في أمرها ، فكلّما أراد أن يتّهمها ، ذكر صلاحها ، وعبادتها ، وأنّها لم تغب عنه ساعة قطّ ؛ فقال : إنّه قد وقع في نفسي من أمرك شيء ، وقد حرصت على كتمانه ، فغلبني ذلك ، فرأيت أنّ الكلام فيه أشفى لصدري فقالت : قل قولا جميلا . قال : أخبريني يا مريم ، هل ينبت زرع بغير بذر ؟ وهل تنبت شجرة من غير غيث ؟ وهل يكون ولد من غير ذكر ؟ قالت : نعم ، ألم تعلم أنّ اللّه تعالى أنبت الزّرع يوم خلقه من غير بذر ، وهذا البذر إنّما حصل من الزّرع الذي أنبته من غير بذر . ألم تعلم أنّ اللّه أنبت الشّجرة بغير غيث ، وبالقدرة جعل الغيث حياة الشّجرة ، بعدما خلق اللّه كلّ واحد منها على حدة ؟ أو تقول : إنّ اللّه لا يقدر على أن ينبت الشّجرة حتّى استعان بالماء ، ولولا ذلك ، لم يقدر على إنباتها ؟ ! . قال يوسف : لا أقول هذا ، ولكنّي أقول : إنّ اللّه تعالى قادر على ما يشاء ، فيقول : كن فيكون ، فقالت له مريم : أو لم تعلم أنّ اللّه خلق آدم وامرأته حوّاء من غير ذكر ، ولا
هامش
( 1 ) في ب : عشر . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) ينظر : معالم التنزيل 3 / 192 . ( 4 ) ذكره البغوي في « تفسيره » ( 3 / 192 ) عن ابن عباس . ( 5 ) ينظر : الفخر الرازي 21 / 172 . ( 6 ) ينظر : تفسير الرازي ( 21 / 172 ) .