ورابعها « 1 » : أن أيام الدنيا قد انقضت وأيام الآخرة مستقبلة ، والذاهب وإن طالت مدته قليل « 2 » بالقياس إلى الآتي وإن قصرت مدته ، فكيف والأمر بالعكس . ولهذه « 3 » الوجوه رجّح اللّه تعالى قول من بالغ في التقليل « 4 » فقال : « إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلّا يوما » . وقيل : المراد منه اللبث في القبر ، ويؤيده قوله تعالى :
« وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ
« 5 »
وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ
« 6 »
لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ »
« 7 » .
( فأمّا من جوّز الكذب على أهل القيامة فلا إشكال له في الآية ) « 8 » ، أما من لم يجوزه قال : إن « 9 » اللّه تعالى لما أحياهم في الفترة وعذّبهم ، ثم أماتهم ثم بعثهم « 10 » يوم القيامة لم يعرفوا مقدار لبثهم في القبر كم كان ؟ فخطر ببال بعضهم أنه في التقدير عشرة أيام .
وقال آخرون : إنه يوم واحد ، فلمّا وقعوا في العذاب مرة أخرى استثقلوا زمان الموت الذي هو زمان الخلاص لما نالهم من هول العذاب « 11 » .
وقيل : المراد باللبث بين النفختين ، وهو أربعون سنة ، لأن العذاب يرفع عنهم بين النفختين ، استقصروا مدة لبثهم لهول « 12 » ما عاينوا « 13 » . والأكثرون على أنّ قوله « 14 » :
« إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً »
أي عشرة أيام ، فيكون قول من قال
« إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً »
أقل ، وقال مقاتل :
« إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً »
أي ساعات ، لقوله ( تعالى :
« كَأَنَّهُمْ )
« 15 »
يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها »
« 16 » وعلى هذا يكون اليوم أكثر « 17 » .
ثم قال تعالى :
« نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ »
أي : يتشاورون
« إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً »
أي : أوفاهم عقلا وأعدلهم قولا « 18 »
« إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً »
قصر ذلك في أعينهم في جنب ما استقبلهم من الأهوال يوم القيامة . قيل : نسوا مقدار لبثهم لشدة ما دهمهم « 19 » . قوله : « إذ يقول » منصوب ب « أعلم » و « طريقة » منصوب على التمييز « 20 » .
هامش
( 1 ) في ب : الرابع .
( 2 ) في ب : قليلة . وهو تحريف .
( 3 ) في ب : وبهذه .
( 4 ) في ب : التعليل .
( 5 ) [ الروم : 55 ] .
( 6 ) « الإيمان » : سقط من الأصل ، وفي ب :وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ .( 7 ) [ الروم : 56 ] .
( 8 ) ما بين القوسين سقط من ب .
( 9 ) في ب : أما لمن لم يجوزه فإن .
( 10 ) في ب : ثم أحياهم أعني ثم بعثهم .
( 11 ) آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي 22 / 115 - 116 .
( 12 ) في ب : طلبوا . وهو تحريف .
( 13 ) انظر البغوي 5 / 457 .
( 14 ) في ب : طلبوا . وهو تحريف .
( 15 ) ما بين القوسين سقط من ب .
( 16 ) [ النازعات : 46 ] .
( 17 ) الفخر الرازي 22 / 116 .
( 18 ) في ب : عقلا .
( 19 ) انظر البغوي 5 / 457 .
( 20 ) ما بين القوسين سقط من ب .