تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
والجواب « 1 » عن الكل : أنّ حاصل هذه الوجوه تمسك بظواهر قابلة للتأويل ، ومعارضة ما يبعد عن التأويل بما يتسارع إليه التأويل غير جائز . وإذا ثبتت هذه المقدمة ففي الجواب وجوه : أحدها « 2 » : أنّا وإن اختلفنا في جواز عصمة الأنبياء لكن اتفقنا على جواز ترك الأولى عليهم . وإذا كان كذلك فالفعل الذي يفعله أحدهما ويمنع منه الآخر ، أعني : موسى وهارون - عليهما السلام « 3 » - لعله كان أحدهما أولى ، والآخر كان ترك الأولى ، فلذلك فعله أحدهما وتركه الآخر . فإن قيل : هذا التأويل غير جائز ، لأن كل واحد منهما كان جازما « 4 » فيما يأتي به فعلا كان أو تركا ، وفعل المندوب وتركه لا يجزمونه « 5 » قلنا « 6 » : تقييد المطلق بالدليل غير ممتنع ، فيحمل « 7 » الجزم في الفعل والترك على أن المراد افعل ذلك أو اتركه إن كنت تريد الأصلح ، وقد يترك ذلك الشرط إذا كان تواطؤهما على رعايته معلوما متقررا « 8 » . وثانيها « 9 » : أن موسى - عليه السلام « 10 » - أقبل وهو غضبان على قومه فأخذ برأس أخيه وجرّه إليه كما يفعل الإنسان بنفسه مثل ذلك عند الغضب ، فإن الغضبان المتفكر قد يعض على شفتيه وأصابعه ويفتل لحيته ، فأجرى موسى أخاه هارون مجرى نفسه ، لأنه كان « 11 » أخاه وشريكه ، فصنع به ما يصنع الرجل بنفسه في حال الفكر والغضب ، وأما قوله :
« لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي »
فلا يمتنع أن يكون هارون - عليه السلام « 12 » - خاف من أن يتوهم بنو إسرائيل أنه منكر عليه ، فبين أنه معاون له ، ثم أخذ « 13 » في شرح القصة فقال :
« إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ » .
وثالثها : أنّ بني إسرائيل كانوا على نهاية سوء الظن بموسى ، حتى إن هارون غاب عنهم غيبة فقالوا لموسى : أنت قتلته ، فلما وعد اللّه موسى ، وكتب له في الألواح من كل شيء ، ثم رجع فرأى من قومه ما رأى ، أخذ « 14 » برأس أخيه ليدنيه فيتفحص عن كيفية الواقعة فخاف هارون أن يسبق إلى قلوبهم ما لا أصل له ، فقال إشفاقا « 15 » على موسى :
« لا تَأْخُذْ
« 16 »
بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي »
، لئلا يظن القوم ما لا يليق بك « 17 » .
هامش
( 1 ) في ب : فالجواب . ( 2 ) في ب : الأول . ( 3 ) في ب : عليهما الصلاة والسلام . ( 4 ) في ب : جارنا وهو تصحيف . ( 5 ) في ب : لا يخرجونه . ( 6 ) في ب : فالجواب . ( 7 ) في ب : فيحتمل . وهو تحريف . ( 8 ) في ب : مقررا . ( 9 ) في ب : والجواب عن الثاني . ( 10 ) في ب : عليه الصلاة والسلام . ( 11 ) كان : سقط من الأصل . ( 12 ) عليه السلام : سقط من ب . ( 13 ) أخذ : سقط من ب . ( 14 ) في ب : وأخذ . ( 15 ) في ب : أسفا . وهو تحريف . ( 16 ) في ب : لا نأخذ . وهو تحريف . ( 17 ) في ب : فيرمونك بقتلي كما رموك قبل ذلك .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 364 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب