تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣

فصل في المراد بالروح

اختلفوا في هذا الرّوح « 1 » ، فالأكثرون على أنّه جبريل - صلوات اللّه عليه - لقوله تعالى :
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ
[ الشعراء : 193 ] وسمّي روحا ؛ لأنّ الدّين يحيى به . وقيل : سمّي روحا على المجاز ؛ لمحبته ، وتقريبه ، كما تقول لحبيبك : روحي . وقيل : المراد من الرّوح « 2 » : عيسى - صلوات اللّه عليه - جاء في صورة بشر ، فحملت به ، والأول أصحّ ، وهو أنّ جبريل عرض لها في صورة شابّ أمرد ، حسن الوجه ، جعد الشّعر ، سويّ الخلق وقيل : في صورة ترب لها ، اسمه يوسف ، من خدم بيت المقدس . قيل : إنما تمثّل لها في صورة بشر ؛ لكي لا تنفر منه ، ولو ظهر في صورة الملائكة ، لنفرت عنه ، ولم تقدر على استماع كلامه ، وهاهنا إشكالات : الأول : أنّه لو جاز أن يظهر الملك في صورة الإنسان المعيّن ، فحينئذ ؛ لا يمكننا القطع بأنّ هذا الشخص الذي نراه في الحال هو زيد الذي رأينا بالأمس ؛ لاحتمال أن الملك ، أو الجنّي تمثّل بصورته ، وفتح هذا الباب يؤدّي إلى السّفسطة ، ولا يقال : هذا إنّما يجوز في زمان [ جواز ] « 3 » البعثة ، فأما في زماننا فلا يجوز . لنا أن نقول : هذا الفرق إنّما يعلم بالدليل ، فالجاهل « 4 » بذلك الدّليل يجب ألا يقطع بأنّ هذا الشخص الذي رآه الآن هو الذي رآه بالأمس . الثاني : أنه جاء في الأخبار أنّ جبريل - صلوات اللّه عليه - شخص عظيم جدّا ، فذلك الشخص - كيف صار بدنه في مقدار جثّة الإنسان ، وذلك يوجب تداخل الأجزاء ، وهو محال . الثالث : أنّا لو جوّزنا أن يتمثّل جبريل - صلوات اللّه عليه - في صورة الآدمي ، فلم لا يجوز تمثّله في صورة أصغر من الآدميّ ؛ كالذّباب ، والبقّ ، والبعوض ، ومعلوم أن كلّ مذهب جرّ إلى هذا ، هو باطل . الرابع : أن تجويزه يفضي إلى القدح في خبر التّواتر ، فلعلّ الشخص الذي حارب يوم بدر ، لم يكن محمّدا - صلوات اللّه عليه وسلامه - بل كان شخصا يشبهه ، وكذا القول في الكلّ . والجواب عن « 5 » الأوّل : أن ذلك التجويز لازم على الكلّ ؛ لأنّ من اعترف بافتقار العالم إلى الصّانع المختار ، فقد قطع بكونه قادرا على أن يخلق شخصا آخر ؛ مثل زيد في خلقه وتخطيطه ، وإذا جوّزنا ذلك ، فقد لزم الشكّ في أنّ زيدا المشاهد الآن هو الذي
هامش
( 1 ) ينظر : الفخر الرازي 21 / 167 . ( 2 ) ينظر : معالم التنزيل 3 / 191 . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) في أ : فالحاصل . ( 5 ) ينظر : الفخر الرازي 21 / 168 .