يكون لقوله : « فتنّا » معنى « 1 » آخر ، وذلك لأن الفتنة قد تكون بمعنى الامتحان ، يقال :
فتنت الذّهب بالنار إذا امتحنته بالنار فتميز الجيد من الرديء « 2 » ، فهاهنا « 3 » شدّد اللّه التكليف عليهم ، لأن السّامريّ لما أخرج لهم العجل صاروا مكلفين بأن يستدلوا بحدوث جملة العالم والأجسام على أنّ له إلها ليس بجسم وحينئذ يعرفون « 4 » أن العجل لا يصلح للإلهية فكان هذا التعبد تشديدا في التكليف ، ( والتشديد في التكليف ) « 5 » موجود .
قال تعالى :
« أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ »
« 6 » .
والجواب : ليس في ظهور صوت من عجل « 7 » متخذ « 8 » من الذهب شبهة أعظم مما « 9 » في الشمس والقمر ، والدليل « 10 » الذي ينفي كون الشمس والقمر إلها أولى بأن ينفي كون العجل إلها ، فحينئذ لا يكون حدوث العجل تشديدا في التكليف « 11 » ولا يصح حمل الآية عليه ، فوجب حمله على خلق الضلال فيهم .
وقوله « 12 » : أضاف الإضلال إلى السّامري . قلنا : أليس أن جميع المسببات العادية تضاف إلى أسباب من الظاهر وإن كان الموجد هو اللّه - تعالى « 13 » - فكذا هاهنا . وأيضا قرىء « وأضلّهم « 14 » السّامريّ » أي « 15 » : وأشد ضلّالهم السامري ، وعلى هذا « 16 » لا يبقى للمعتزلة استدلال ، ثم الذي يحسم مادة الشغب مسألة الداعي . قوله :
« وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ »
العامة على أنه فعل ماض مسند إلى السامري « 17 » .
وقرأ أبو معاذ « وأضلّهم » مرفوعا بالابتداء ، وهو أفعل تفضيل ، و « السّامريّ » خبره « 18 » .
ومعنى « أضلّهم » أي : دعاهم وصرفهم إلى عبادة العجل ، وأضاف الإضلال إلى السّامريّ ، لأنهم ضلوا بسببه « 19 » . قال ابن عباس « 20 » في رواية سعيد بن جبير : كان السامري علجا « 21 » من أهل كرمان وقع إلى مصر ، وكان من قوم يعبدون البقر ، والأكثرون
هامش
( 1 ) في ب : أمرا . وهو تحريف .
( 2 ) اللسان ( فتن ) .
( 3 ) في ب : فهنا .
( 4 ) في النسختين : يعرفوا . والصواب ما أثبته .
( 5 ) ما بين القوسين سقط من ب .
( 6 ) [ العنكبوت : 2 ] .
( 7 ) من : سقط من ب .
( 8 ) متخذ : سقط من ب .
( 9 ) في ب : ما .
( 10 ) الدليل : سقط من ب .
( 11 ) في ب : في التشبيه والتكليف .
( 12 ) في ب : فإن قيل .
( 13 ) تعالى : سقط من ب .
( 14 ) في ب : فأضلهم .
( 15 ) أي : سقط من ب .
( 16 ) في ب : على .
( 17 ) انظر البحر المحيط 6 / 267 .
( 18 ) انظر المختصر : 89 ، البحر المحيط 6 / 267 .
( 19 ) انظر البغوي 5 / 450 .
( 20 ) من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي 22 / 101 .
( 21 ) العلج : الرجل الشديد الغليظ ، وقيل : كلّ ذي لحية ، والجمع أعلاج وعلوج . اللسان ( علج ) .