تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
كان عليه عند الضّراء ، أي : لا يفزع إلّا إلى اللّه ، وفريق منهم يتغيّرون فيشركون باللّه - تعالى - غيره ؛ وهذا جهل وضلال ؛ لأنّه لما شهدت فطرته الأصليّة عند نزول البلاء ، والضرّ في ألّا يفزع إلا إلى اللّه ، ولا يستغاث إلا باللّه - فعند زوال البلاء يجب ألّا يزول عن ذلك الاعتقاد ؛ ونظير هذه الآية قوله تعالى :
فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ
[ لقمان : 32 ] . قوله :
لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ
في هذه اللام ثلاثة أوجه : أحدها : أن تكون لام كي ، وهي متعلقة ب « يشركون » ، أي : أن إشراكهم سببه كفرهم به . الثاني : أنّها لام الصّيرورة ، أي : صار أمرهم إلى ذلك . الثالث : أنّها لام الأمر ، وإليه نحا الزمخشريّ . وقرأ « 1 » أبو العالية ، ورواها مكحول عن أبي رافع مولى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « فيمتعوا » بضمّ الياء من تحت ، ساكن الميم ، مفتوح الياء مضارع « متع » مبنيّا للمفعول ، « فسوف يعلمون » بالياء من تحت أيضا ، وهذا المضارع في هذه القراءة ، يجوز أن يكون حذف منه النون فيه ؛ إما للنصب ، عطفا على « ليكفروا » وإن كانت لام « كي » ، أو للصيرورة ، وإما للنصب أيضا ، ولكن على جواب الأمر إن كانت اللام للأمر ، ويجوز أن يكون حذفها للجزم ؛ عطفا على « ليكفروا » وإن كانت للأمر أيضا . فصل قال بعض المفسرين : هذه لام العاقبة ؛ كقوله تعالى :
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً
[ القصص : 8 ] يعني : أنّ عاقبته تلك التضرعات ، ما كانت إلا هذا الكفر . والمراد بقوله :
« بِما آتَيْناهُمْ »
كشف الضرّ ، وإزالة المكروه ، وقيل : المراد به القرآن ، وما جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم من النبوة والشرائع . ثمّ توعّدهم فقال : « فتمتّعوا » ، [ والمراد منه التهديد ] « 2 » ؛ كقوله
فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ
[ الكهف : 29 ] وقوله :
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
أمركم ، وما ينزل بكم من العذاب . قوله تعالى :

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 56 إلى 64 ]

وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ( 56 ) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ ( 57 ) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ( 58 ) يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَ يُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ ( 59 ) لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 60 ) وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ( 61 ) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ ( 62 ) تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 63 ) وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 64 )
هامش
( 1 ) ينظر : المحتسب 2 / 11 ، والشواذ 73 ، والبحر 5 / 487 . ( 2 ) في أ : وهو تهديد .