تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
ولمّا حكى عنهم هذا القول قال : « سبحانه » والمراد : تنزيه ذاته عن نسبة الولد إليه . وقيل : تعجيب الخلق من هذا الجهل الصّريح ، وهو وصف الملائكة بالأنوثة ، ثم نسبتها بالولدية إلى اللّه - سبحانه وتعالى - والمعنى : معاذ اللّه . قوله :
وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ
يجوز فيه وجهان : أحدهما : أن هذا الجملة من مبتدإ ، وخبر ، أي : يجعلون للّه البنات ، ثمّ أخبر أنّ لهم ما يشتهون . وجوّز الفرّاء ، والحوفيّ ، والزمخشري ، وأبو البقاء - رحمة اللّه عليهم - أن تكون « ما » منصوبة المحلّ ؛ عطفا على « البنات » و « لهم » عطف على اللّه ، أي : ويجعلون لهم ما يشتهون . قال أبو حيّان « 1 » : وقد ذهلوا عن قاعدة نحويّة ، وهو أنه لا يتعدّى فعل المضمر إلى ضميره المتّصل ، إلّا في باب « ظنّ » وفي « عدم » و « فقد » ولا فرق بين أن يتعدى الفعل بنفسه ، أو بحرف الجرّ ؛ فلا يجوز : زيد ضربه ، أي : ضرب نفسه ، ولا « زيد مرّ به » ، أي : مر بنفسه ، ويجوز : « زيد ظنه قائما » ، و « زيد فقده وعدمه » أي : [ ظن نفسه قائما ، وفقد ] « 2 » نفسه ، وعدمها . إذا تقرّر هذا ، فجعل « ما » منصوبة عطفا على « البنات » يؤدّي إلى تعدّي فعل الضمير المتّصل ، وهو واو « يجعلون » إلى ضميره المتّصل ، وهو « هم » في « لهم » انتهى . وهذا يحتاج إلى إيضاح أكثر من هذا ، وهو أنّه لا يجوز تعدي فعل الضمير المتصل ، ولا فعل الظاهر إلى ضميرها المتصل ، إلا في باب « ظنّ » وأخواتها من أفعال القلوب ، وفي « فقد » و « عدم » فلا يجوز زيد ضربه زيد ، أي : ضرب نفسه ، ويجوز : زيد ظنّه قائما ، وظنّه زيد قائما ، وزيد فقده وعدمه ، وفقده وعدمه زيد ، ولا يجوز تعدي فعل المضمر المتصل إلى ظاهر ، في باب من الأبواب ، لا يجوز : زيد ضرب نفسه ، وفي قولنا « إلى ضميرها المتصل » قيدان : أحدهما : كونه ضميرا ، فلو كان ظاهرا كالنّفس لم يمتنع ، نحو : زيد ضرب نفسه وضرب نفسه زيد . والثاني : كونه متّصلا ، فلو كان منفصلا ؛ جاز ، نحو : زيد ما ضرب إلّا إيّاه ، وما ضرب زيد إلّا إياه ، وأدلّة هذه المسألة مذكورة في كتب النّحو . وقال مكي « 3 » : « وهذا لا يجوز عند البصريين ، كما لا يجوز : جعلت لي طعاما إنّما يجوز جعلت لنفسي طعاما ، فلو كان لفظ القرآن : ولأنفسهم ما يشتهون ، جاز ما قال الفرّاء « 4 » عند البصريين ، وهذا أصل يحتاج إلى تعليل ، وبسط كثير » .
هامش
( 1 ) ينظر : البحر المحيط 5 / 488 . ( 2 ) زيادة من : أ . ( 3 ) ينظر : المشكل 2 / 16 . ( 4 ) ينظر : معاني القرآن للفراء 2 / 105 .