تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 66

مساهمون:

ص٦٦
ثم قال :
فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ
أي يمهل في أكثر الأمر ؛ لأنه رؤوف رحيم ، فلا يعاجل بالعذاب . قوله تعالى :

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 48 إلى 55 ]

أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ ( 48 ) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ( 49 ) يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ( 50 ) وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ( 51 ) وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِباً أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ ( 52 ) وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ ( 53 ) ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ( 54 ) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 55 ) قوله :
أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ
الآية قرأ الأخوان « 1 » : « تروا » بالخطاب جريا على قوله :
« فَإِنَّ رَبَّكُمْ »
. والباقون : بالياء جريا على قوله :
أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا
[ النحل : 45 ] . وأما قوله
أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ
[ الملك : 19 ] فقراءة حمزة أيضا بالخطاب « 2 » ، ووافقه ابن عامر فيه ؛ فحصل من مجموع الآيتين : أنّ حمزة بالخطاب فيهما ، والكسائي « 3 » بالخطاب في الأولى ، والغيبة في الثانية ، وابن عامر بالعكس ، والباقون : بالغيبة فيهما . وأما توجيه الأولى فقد تقدم ، وأما الخطاب في الثانية ؛ فجريا على قوله تعالى :
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ
[ النحل : 74 ] وأمّا الغيبة ؛ فجريا على قوله تعالى
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
[ النحل : 73 ] إلى آخره ، وأمّا تفرقة الكسائي ، وابن عامر بين الموضعين ؛ فجمعا بين الاعتبارين ، وأنّ كلّا منهما صحيح .

فصل [ في بيان كمال قدرته تعالى في تدبير أحوال العالم العلوي والسفلي ]

لمّا خوّف المشركين بأنواع العذاب المتقدمة ، أردفه بما يدلّ على كمال قدرته في تدبير أحوال العالم العلوي ، والسفلي ؛ ليظهر لهم أنّ مع كمال هذه القدرة القاهرة ، والقوة الغير متناهية ، كيف يعجز عن إيصال العذاب إليهم ؟ وهذه الرؤية لما كانت بصرية وصلت ب « إلى » ؛ لأن المراد بها الاعتبار ، والاعتبار لا يكون بنفس الرؤية ، حتى يكون مع النظر إلى الشيء الكامل في أحواله .
هامش
( 1 ) ينظر : الإتحاف 2 / 184 ، التيسير 137 ، والحجة للفارسي 5 / 66 القرطبي 10 / 74 والبحر 5 / 480 ، والدر المصون 4 / 329 ، وإعراب القراءات 1 / 354 . ( 2 ) ينظر : النشر 2 / 304 والحجة للفارسي 5 / 67 ، وإعراب القراءات 1 / 354 ، والدر المصون 4 / 329 . ( 3 ) ينظر : الدر المصون 4 / 329 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 66 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب