تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 578

مساهمون:

ص٥٧٨
والباقون بالتاء من فوق ؛ لتأنيث اللفظ ، وقرأ السلميّ - ورويت عن أبي عمرو وعاصم - « تنفّد » بتشديد الفاء ، وهو مطاوع « نفّد » بالتشديد ؛ نحو : كسّرته ، فتكسّر ، وقراءة الباقين مطاوع « أنفدتّه » . قوله :
« وَلَوْ جِئْنا »
جوابها محذوف لفهم المعنى ، تقديره : لنفد ، والعامة على « مددا » بفتح الميم ، والأعمش « 1 » قرأ بكسرها ، ونصبه على التمييز كقوله : [ الطويل ]
3575 - . . . . * فإنّ الهوى يكفيكه مثله صبرا « 2 »
وقرأ « 3 » ابن مسعود ، وابن عبّاس « مدادا » كالأول ، ونصبه على التّمييز أيضا عند أبي البقاء « 4 » ، وقال غيره - كأبي الفضل الرازيّ - : إنه منصوب على المصدر ، بمعنى الإمداد ؛ نحو :
أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً
[ نوح : 17 ] قال : والمعنى : ولو أمددناه بمثله إمدادا .

فصل في معنى الآية

المعنى : ولو كان الخلائق يكتبون ، والبحر يمدّهم ، لنفد ما في البحر ، ولم تنفد كلمات ربّي
وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ
أي بمثل ماء البحر في كثرته . قوله :
مَدَداً
نظيره قوله تعالى :
وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ
[ لقمان : 27 ] . واستدلّوا بهذه الآية على أنّها صريحة في إثبات كلمات كثيرة للّه تعالى . قال ابن الخطيب « 5 » : وأصحابنا حملوا الكلمات على متعلّقات علم اللّه تعالى . قال الجبائيّ : وأيضا قوله :
قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي
يدلّ على أنّ كلمات اللّه تعالى ، قد تنفد في الجملة ، وما ثبت عدمه ، امتنع قدمه . وأيضا قال :
وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً
. وهذا يدلّ على أنه تعالى قادر على أن يجيء بمثل كلامه ، والذي يجيء به يكون محدثا ، والذي يكون المحدث كلامه فهو أيضا محدث . فالجواب : بأنّ المراد به الألفاظ الدّالّة على تعلّقات تلك الصّفات الأزليّة . ولمّا بيّن تعالى تمام كلامه أمر محمّدا صلى اللّه عليه وسلّم بأن يسلك طريقة التّواضع ، فقال :
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ
.
هامش
( 1 ) ينظر : البحر 6 / 160 ، ونسبها إلى الأعرج ، والدر المصون 4 / 487 . ( 2 ) ينظر البيت في البحر المحيط 6 / 160 ، روح المعاني 16 / 52 والدر المصون 4 / 487 . ( 3 ) ينظر : الإتحاف 2 / 229 ، والمحتسب 2 / 35 ، والقرطبي 11 / 46 ، والبحر 160 ، والدر المصون 4 / 487 . ( 4 ) ينظر : الإملاء 2 / 109 . ( 5 ) ينظر : الفخر الرازي 21 / 150 .