تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 533

مساهمون:

ص٥٣٣
وقالوا : لو كانت الاستطاعة على الفعل حاصلة قبل [ حصول الفعل ] « 1 » ، لكانت الاستطاعة على الصّبر حاصلة لموسى قبل حصول الصّبر ، فيلزم أن يكون قوله :
إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً
كذبا ، ولمّا بطل ذلك ، علمنا أنّ الاستطاعة لا توجد قبل الفعل . أجاب الجبائيّ بأنّ المراد من هذا القول : أنّه يثقل عليه الصّبر ؛ لا أنه لا يستطيعه ، يقال في العرف : « إنّ فلانا لا يستطيع أن يرى فلانا ، ولا أن يجالسه » إذا كان يثقل عليه ذلك . ونظيره قوله تعالى :
ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ
[ هود : 20 ] أي كان يشقّ عليهم الاستماع . وأجيب بأنّ هذا عدول عن الظاهر من غير دليل ، وأنه لا يجوز ، ومما يؤكد استدلال الأصحاب قوله تعالى :
وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً
استبعد حصول الصبر على ما لا يقف الإنسان على حقيقته ، ولو كانت الاستطاعة قبل الفعل لكانت القدرة على الفعل حاصلة قبل حصول ذلك العلم ، ولو كان كذلك لما كان حصول الصبر عند عدم ذلك العلم مستبعدا ؛ لأن القادر على الفعل لا يبعد منه إقدامه على ذلك الفعل ولما حكم اللّه تعالى باستبعاده ، علمنا أن الاستطاعة ، تحصل قبل الفعل . قوله :
سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً
. قال ابن الخطيب : احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء بهذه الآية ؛ فقالوا إن الخضر قال لموسى : إنّك لن تستطيع معي صبرا ، وقال موسى : ستجدني إن شاء اللّه صابرا ، وكلّ واحد من هذين القولين مكذّب للآخر ، فيلزم إلحاق الكذب بأحدهما ، وعلى التّقديرين ، فيلزم صدور الكذب عن الأنبياء - عليهم السلام - . وأجيب بأنّه يحمل قوله :
إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً
على الأكثر والأغلب ، وعلى هذا ، فلا يلزم ما ذكروه ، وقد يجاب بجواب آخر ، وهو أن موسى - عليه السلام - استثنى في جوابه ، فقال :
سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً
وعلى هذا ، فلا يلزم ما ذكروه . قوله :
وَلا أَعْصِي
فيه أربعة أوجه : أحدها : أنّها لا محلّ لها من الإعراب لاستئنافها ، وفيه بعد . الثاني : أنها في محلّ نصب ؛ عطفا على ستجدني ؛ لأنّها منصوبة المحلّ بالقول . وقال أبو حيّان : ويجوز أن يكون معطوفا على « ستجدني » فلا يكون له محلّ من الإعراب ، وهذا سهو ؛ فإنّ « ستجدني » منصوب المحلّ ؛ لأنّه منصوب بالقول ، فكذلك ما عطف عليه ، ولكنّ الشيخ رأى كلام الزمخشريّ كذلك ، ولم يتأمّله ، فتبعه في ذلك ، فمن ثمّ جاء السّهو قال الزمخشريّ :
« وَلا أَعْصِي »
في محلّ النصب عطفا على « صابرا » أي :
هامش
( 1 ) في ب : الصبر .