تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 536

مساهمون:

ص٥٣٦
قال ابن عبّاس « 1 » : إنّه لم ينس ، ولكنّه من معاريض الكلام ، فكأنّه نسي شيئا آخر . وقيل : معناه : بما تركت من عهدك ، والنّسيان التّرك . وروي عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « كانت الأولى من موسى نسيانا ، والوسطى شرطا ، والثالثة عمدا » « 2 » .

فصل في الرد على الطاعنين في عصمة الأنبياء

قال ابن الخطيب « 3 » : احتجّ الطّاعنون في عصمة الأنبياء بهذه الآية من وجهين : أحدهما : أنه ثبت بالدليل أن ذلك العالم كان نبيّا ، ثم قال موسى : « أخرقتها ، لتغرق أهلها » ، فإن صدق موسى في هذا القول ، دلّ ذلك على صدور الذّنب العظيم من ذلك النبيّ ، وإن كذب ، دلّ ذلك على صدور الذنب [ العظيم ] « 4 » من موسى . والثاني : أنه التزم أنّه لا يعترض على ذلك العالم ، وجرت العهود المذكورة بذلك ، ثم إنّه خالف تلك العهود ، وذلك ذنب . فالجواب عن الأول : أن موسى ، لما شاهد منه الأمر الخارج عن العادة ، قال هذا الكلام ، لا لأجل أنه اعتقد فيه أنه فعل قبيحا ، بل إنّه أحبّ أن يقف على وجهه وسببه ، وقد يقال في الشيء العجيب الذي لا يعرف سببه : إنّه إمر . وعن الثاني : أنّه إنما خالف الشّرط ؛ بناء على النّسيان ، ثم إنه تعالى حكى عن ذلك العالم أنّه [ لما خالف الشرط ] لم يزد على أن قال :
أَ لَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً
، فعندها اعتذر موسى بقوله :
لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ
أراد أنه نسي وصيّته ، ولا مؤاخذة على الناسي ،
وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً
أي : لا تكلّفني مشقّة ، يقال : أرهقه عسرا وأرهقته عسرا ، أي : كلّفته ذلك . لا تضيّق عليّ أمري ، لا تعسّر متابعتك [ ويسرها عليّ ] « 5 » بالإغضاء ، وترك المناقشة ، وعاملني باليسر ، ولا تعاملني بالعسر . و « عسرا » : مفعول ثان ل « ترهقني » من أرهقه كذا ، إذا حمّله إيّاه ، وغشّاه به ، و « ما » في
« بِما نَسِيتُ »
مصدرية ، أو بمعنى « الذي » والعائد محذوف . وقرأ أبو جعفر : « عسرا » بضمّ السين ، حيث وقع . قوله :
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ
الآية . اعلم أنّ لفظ الغلام قد يتناول الشابّ البالغ ، وأصله من الاغتلام ، وهو شدّة
هامش
( 1 ) ينظر : المصدر السابق . ( 2 ) ذكره القرطبي في « تفسيره » ( 11 / 14 ) والبغوي ( 3 / 174 ) . ( 3 ) ينظر : الفخر الرازي 21 / 131 . ( 4 ) زيادة من ب . ( 5 ) سقط من أ .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 536 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب