تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 358

مساهمون:

ص٣٥٨
والغاسق في قوله :
وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ
[ الفلق : 3 ] قيل : المراد به : القمر ، إذا كسف ، واسودّ . قال - صلوات اللّه وسلامه عليه - لعائشة - رضي اللّه عنها - حين رأت كسوف القمر : « استعيذي من شرّ الغاسق إذا وقب » « 1 » . وقيل : اللّيل ، والغساق ، بالتخفيف ، والتشديد : ما يسيل من صديد أهل النار ، ويقال : غسق اللّيل ، وأغسق ، وظلم ، وأظلم ، ودجى ، وأدجى ، وغبش ، وأغبش ، نقله الفراء .

فصل في معنى الغسق

قال الأزهريّ : غسق الليل عندي : غيبوبة الشفق عند تراكم الظلمة ، واشتدادها ، يقال : غسقت العين ، إذا امتلأت دمعا ، وغسقت الجراحة : إذا امتلأت دما . قال : لأنّا إذا حملنا الشّفق على هذا المعنى ، دخلت الصّلوات الأربعة فيه ، وهي الظهر ، والعصر ، والمغرب ، والعشاء ، ولو حملنا الغسق على ظهور أوّل الظّلمة ، لم يدخل فيه الظهر والعصر ؛ فوجب أن يكون الأول أولى . واعلم أنّه يتفرّع على هذين الوجهين بحث حسن ؛ فإن فسّرنا الغسق بظهور أوّل الظلمة ، كان الغسق عبارة عن أوّل المغرب ، وعلى هذا : يكون المذكور في الآية ثلاثة أوقات : وقت الزّوال ، ووقت أوّل المغرب ، ووقت الفجر ، وهذا يقتضي أن يكون الزوال : وقتا للظّهر والعصر ، فيكون هذا الوقت مشتركا بين هاتين الصلاتين ، وأن يكون أوّل وقت المغرب وقتا للمغرب والعشاء ، فيكون هذا الوقت مشتركا أيضا بين هاتين الصلاتين ، فهذا يقتضي جواز الجمع بين الظهر والعصر ، وبين المغرب والعشاء مطلقا ، إلا أنّه دلّ الدليل على أن الجمع في الحضر من غير عذر لا يجوز ؛ فوجب أن يكون الجمع جائزا مع العذر . وإذا فسّرنا الغسق بالتراكم ، فنقول : الظلمة المتراكمة ، إنّما تحصل عند غيبوبة الشّفق الأبيض ، وكلمة « إلى » لانتهاء الغاية ، والحكم الممدود إلى غاية يكون مشروعا قبل حصول تلك الغاية ؛ فوجب إقامة الصلوات كلّها قبل غيبوبة الشّفق الأبيض ، وهذا إنّما يصحّ إذا قلنا : إنّها تجب عند غيبوبة الشّفق الأحمر .
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي 5 / 421 ، 422 ، كتاب التفسير : باب من سورة المعوذتين ( 3366 ) ، وأحمد 6 / 106 ، 206 والحاكم 2 / 540 ، 541 ومدار هذا الإسناد على الحارث بن عبد الرحمن القرشي العامري ، قال الحافظ في التقريب 1 / 142 صدوق ، لكن نقل في التهذيب 2 / 149 ، عن علي بن المديني أنه قال : الحارث بن عبد الرحمن المدني الذي روى عن ابن أبي ذئب مجهول . وهذا الحديث صحيح أو حسن بشواهده . قال الحافظ ابن حجر في الفتح 8 / 613 : إسناد حسن قال الترمذي : هذا الحديث حسن صحيح .