تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
قوله تعالى :
وَقُرْآنَ الْفَجْرِ
فيه أوجه : أحدها : أنه عطف على « الصّلاة » أي : وأقم قرآن الفجر ، والمراد به صلاة الصبح ، عبّر عنها ببعض أركانها . والثاني : أنه منصوب على الإغراء ، أي : وعليك قرآن الفجر ، كذا قدّره الأخفش « 1 » وتبعه أبو البقاء « 2 » ، وأصول البصريّين تأبى هذا ؛ لأن أسماء الأفعال لا تعمل مضمرة . الثالث : أنه منصوب بإضمار فعل ، أي : كثّر قرآن ، أو الزم قرآن الفجر .

فصل في دلالة الآية

دلّت هذه الآية على أمور : منها : أنّ الصّلاة لا تكون إلا بقراءة ؛ لقوله تعالى :
أَقِمِ الصَّلاةَ
. ومنها : أنه تعالى أضاف القرآن إلى الفجر ، والتقدير : وأقم قرآن الفجر . ومنها : أنه علّق القراءة بحصول الفجر ، وفي أوّل طلوع الصّبح قد حصل الفجر ؛ لأنّ الفجر سمّي فجرا ؛ لانفجار ظلمة الليل عن نور الصّباح ، وظاهر الأمر الوجوب ، فاقتضى هذا اللفظ وجوب إقامة صلاة الفجر من أوّل طلوعه ، إلّا أنّ الإجماع على أنّ هذا الوجوب غير حاصل ؛ فوجب أن يبقى على النّدب ؛ لأنّ الوجوب عبارة عن رجحان مانع من التّرك ، فإذا منع مانع من تحقّق الوجوب ، وجب أن يرتفع المنع من التّرك ، وأن يبقى أصل الرّجحان ؛ حتّى تنقل مخالفة الدليل ؛ فثبت أنّ هذه الآية تقتضي أنّ إقامة الفجر في أوّل الوقت أفضل ؛ وهذا يدلّ على أنّ التغليس أفضل من التّنوير . ومنها أن القراءة تكون في هذه الصلاة أطول من القراءة في سائر الصلوات ؛ لأنّ المقصود من قوله تعالى :
وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً
الحثّ على طول القراءة في هذه الصلاة ؛ لأنّ التخصيص بالذّكر يدلّ على أنه أكمل من غيره . ومنها : قوله تعالى :
إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً
. ومعناه : أنّ ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون في صلاة الصّبح خلف الإمام ، تنزل ملائكة النّهار عليهم ، وهم في الصّلاة ؛ قبل أن تعرج ملائكة اللّيل ، وإذا فرغ الإمام من الصلاة ، عرجت ملائكة الليل ، ومكثت ملائكة النّهار ، ثمّ إن ملائكة الليل إذا صعدت ، قالت : يا ربّ ، إنّا تركنا عبادك يصلّون لك ، وتقول ملائكة النّهار : ربّنا ، أتينا عبادك يصلّون لك ، فيقول اللّه تعالى لملائكته : اشهدوا أنّي قد غفرت لهم . وهذا يدل على أنّ التغليس أفضل من التنوير ، لأنّ الإنسان ، إذا شرع فيها من [ أوّل ] الصّبح ، ففي ذلك الوقت : الظلمة باقية ، فتكون ملائكة الليل حاضرين ، ثمّ إذا
هامش
( 1 ) ينظر : معاني القرآن للأخفش 2 / 392 . ( 2 ) ينظر : الإملاء 2 / 95 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 359 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب