تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 349

مساهمون:

ص٣٤٩
يقال : فتن الصّائغ الذّهب ، إذا أدخله النّار ، وأذابه ؛ ليميّز جيّده من رديّه ، ثم استعمل في كلّ من أزال الشيء عن حدّه وجهته ، فقالوا : فتنة ، فقوله تعالى :
وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ
. أي : يزيلونك ، ويصرفونك عن الذي أوحينا إليك ، وهو القرآن ، أي : عن حكمه ؛ وذلك لأنّ في إعطائهم ما سألوا مخالفة لحكم القرآن . وقوله :
لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ
أي غير ما أوحينا إليك ، وقوله :
وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا
أي لو فعلت ذلك ما أرادوا لا تخذوك خليلا ، وأظهروا للناس أنك موافق لهم على كفرهم وراض بشركهم ، ثم قال :
وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ
يعني على الحق ، بعصمتنا إياك
لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ
أي تميل إليهم شيئا قليلا . قرأ العامة بفتح كاد تركن مضارع ركن بالكسر ، وقتادة ، وابن مصرف ، وابن أبي إسحاق « تركن » بالضم مضارع « ركن » بالفتح ، وهذا من التداخل ، وقد تقدم تحقيقه في أواخر « هود » « 1 » و « شيئا » منصوب على المصدر ، وصفته محذوفة ، أي شيئا قليلا من الركون ، أو ركونا قليلا . قال ابن عباس : يريد حيث سكوتك عن جوابهم . قال قتادة : لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين » . ثم توعد في ذلك أشد التوعد ، فقال :
إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ
أي ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات ، يريد عذاب الدنيا وعذاب الآخرة . قال الزمخشري : فإن قلت : كيف حقيقة هذا الكلام ؟ قلت : أصله لأذقناك عذاب الحياة ، وعذاب الممات ، لأن العذاب عذابان عذاب في الممات ، وهو عذاب القبر وعذاب في الحياة الآخرة ، وهو عذاب النار ، والضعف يوصف به نحو قوله تعالى :
فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ
[ الأعراف : 38 ] يعني عذابا مضاعفا ، فكان أصل الكلام : لأذقناك عذابا ضعفا عذابا ضعفا في الحياة ، وعذابا ضعفا في الممات ثم حذف الموصوف ، فأثبت الصفة مقامه وهو الضعف ، ثم أضيفت الصفة إضافة الموصوف ، فقيل : ضعف الحياة ، وضعف الممات ، لما تقدم في القرآن من وصف العذاب بالضعف في قوله :
مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ
[ ص : 61 ] وحاصل الكلام أنك لو مكنت خواطر الشيطان من قلبك ، وعقدت على الركون إليه لاستحققت تضعيف العذاب عليك في الدنيا وفي الآخرة ، وصار عذابك مثلي عذاب المشرك في الدنيا ومثلي عذابه في الآخرة ، والسبب في تضعيف هذا العذاب أن أقسام نعم اللّه في حق الأنبياء عليهم السلام أكثر فكانت ذنوبهم أعظم ، وكانت العقوبة المستحقة عليها أكثر ، ونظيره قوله تعالى :
يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ
هامش
( 1 ) آية 113 .