قوله تعالى :
[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 73 إلى 75 ]
وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً ( 73 ) وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ( 74 ) إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً ( 75 )
لما عدد في الآيات المتقدمة أقسام نعمه على خلقه ، وأتبعها بذكر درجات الخلق في الآخرة ، أردفه بما يجري مجرى تحذير الناس عن الاغترار بوساوس أرباب الضلال والانخداع بكلماتهم المشتملة على المكر والتّلبيس ، فقال عزّ وجلّ :
وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ
.
روى عطاء عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية في وفد ثقيف أتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم وقالوا : نبايعك على أن تعطينا ثلاث خصال ، قال : وما هنّ ؟ قالوا : ألّا نحني في الصّلاة أي لا ننحني ولا نكسر أصنامنا بأيدينا ، وأن تمتّعنا باللّات سنة ، من غير أن نعبدها ، فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم : « لا خير في دين لا ركوع فيه ولا سجود ، وأمّا أن تكسروا أصنامكم بأيديكم فذلك لكم ، وأمّا الطّاغية يعني اللّات فإنّني غير ممتّعكم بها « 1 » . وفي رواية : « وحرّم وادينا ، كما حرّمت مكّة شجرها ، وطيرها ، ووحشها ، فأبى ذلك رسول اللّه « 2 » صلى اللّه عليه وسلّم ولم يجبهم ، فقالوا : يا رسول اللّه إنّا نحبّ أن تسمع العرب أنّك أعطيتنا ما لم تعط غيرنا ، وإنّي خشيت أن تقول العرب : أعطيتهم ما لم تعطنا ، فقل : اللّه أمرني بذلك ، فسكت النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم فطمع القوم في سكوته أن يعطيهم ، فصاح عليهم عليّ وعمر - رضي اللّه عنهما - وقالوا : أما ترون أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم قد أمسك عن الكلام ؛ كراهيّة لما تذكرونه ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية » .
وقال سعيد بن جبير : كان النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم يستلم الحجر الأسود ، فمنعته قريش ، وقالوا :
لا ندعك ، حتّى تلم بآلهتنا وتمسّها ، فحدّث نفسه ؛ ما عليّ إذا فعلت ذلك ، واللّه يعلم أنّي لها كاره ، بعد أن يدعوني ، حتّى أستلم الحجر ، فأنزل اللّه هذه « 3 » .
وروى الزمخشريّ أنّهم جاءوا بكتابهم ، فكتب : بسم اللّه الرحمن الرحيم : هذا كتاب من محمّد رسول اللّه إلى ثقيف : لا يعشرون ، ولا يحشرون ، فسكت رسول اللّه ، ثم قالوا للكاتب : اكتب ولا يجبون والكاتب ينظر إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فقام عمر بن الخطّاب - رضي اللّه عنه - وسلّ سيفه ، وقال : أسعرتم قلب نبيّنا يا ثقيف ، أسعر اللّه قلوبكم نارا ، فقالوا : لسنا نكلّمك ، إنّما نكلّم محمدا ، فنزلت الآية ، وهذه القصّة إنّما وقعت بالمدينة ؛ فلهذا قيل : إنّ هذه الآيات مدنية .
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 8 / 119 ) وذكره البغوي في « تفسيره » ( 3 / 126 - 127 ) .
( 2 ) ينظر : الفخر الرازي 21 / 17 .
( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 8 / 118 - 119 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 4 / 352 ) وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم .