تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
بأنّ « أعمى » في طه من عمى البصر ، وفي الإسراء من عمى البصيرة ؛ ولذلك فسّروه هنا بالجهل فأميل هنا ، ولم يمل هناك ؛ للفرق بين المعنيين ، والسؤال باق ؛ إذ لقائل أن يقول : فلم خصّصت هذه بالإمالة ، ولو عكس الأمر ، لكان الفارق قائما . ونقل ابن الخطيب « 1 » - رحمه اللّه - عن أبي عليّ الفارسيّ ، قال : الوجه في تصحيح قراءة أبي عمرو أنّ المراد بالأعمى في الكلمة الأولى كونه في نفسه أعمى ، وبهذا التفسير تكون هذه الكلمة تامّة ، فتقبل الإمالة ، وأما في الكلمة الثانية ، فالمراد من الأعمى أفعل التفضيل ، وبهذا التقدير : لا تكون تامة ؛ فلم تقبل الإمالة . فصل قال عكرمة : جاء نفر من أهل اليمن إلى ابن عبّاس ، فسأله رجل عن هذه الآية ، فقال : اقرأ ما قبلها ، فقرأ
رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ
إلى قوله
تَفْضِيلًا
. فقال ابن عباس : من كان أعمى في هذه النّعم التي قد رأى وعاين ، فهو في الآخرة التي لم يعاين ولم ير أعمى وأضلّ سبيلا « 2 » . وعلى هذا ؛ فالإشارة بقوله : « هذه » إلى النّعم المذكورة في الآيات المتقدمة . روى الضحاك عن ابن عباس : من كان في الدنيا أعمى عما يرى من قدرة اللّه تعالى ، وعن رؤية الحقّ ، فهو في الآخرة أعمى أشدّ عمى
وَأَضَلُّ سَبِيلًا
، أي : أخطأ طريقا « 3 » وعلى هذا ؛ فالإشارة ب « هذه » إلى الدنيا . وعلى هذين القولين : فالمراد من كان أعمى عن معرفة الدلائل ، والنّعم ، فبأن يكون في الآخرة أعمى القلب عن معرفة أحوال الآخرة أولى . وقال الحسن : من كان في الدنيا ضالّا كافرا ، فهو في الآخرة أعمى ، وأضلّ سبيلا ؛ لأنّه في الدنيا ؛ تقبل توبته ، وفي الآخرة ، لا تقبل توبته « 4 » ، وحمل بعضهم العمى الثاني على عمى العين والبصر ، ويكون التقدير : فمن كان في هذه الدنيا أعمى القلب حشر يوم القيامة أعمى العين والبصر ، كما قال تعالى :
وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى
[ طه : 124 - 126 ] . وقال جلّ ذكره :
وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا
[ الإسراء : 97 ] . وهذا العمى زيادة في عقوبتهم .
هامش
( 1 ) ينظر : الفخر الرازي 21 / 16 . ( 2 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 4 / 351 ) وعزاه إلى الفريابي وابن أبي حاتم عن عكرمة . ( 3 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 21 / 16 ) . ( 4 ) ذكره البغوي في « تفسيره » ( 3 / 126 ) والرازي في « تفسيره » ( 21 / 16 ) .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 346 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب