تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 310

مساهمون:

ص٣١٠
وقيل : المراد استقلال لبثهم في عرصة القيامة ؛ لأنّه لما كان عاقبة أمرهم الدّخول في النّار ، استقصروا مدة لبثهم في برزخ القيامة . قوله تعالى :

[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 53 ]

وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً ( 53 ) تقدم إعراب قوله تعالى
وَقُلْ لِعِبادِي
في سورة إبراهيم [ 31 ] . وفي العباد ها هنا قولان : الأول : المراد به المؤمنون ؛ لأنّ لفظ العباد في أكثر آيات القرآن مختصّ بالمؤمنين . قال تعالى :
فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ
[ الزمر : 17 ، 18 ]
فَادْخُلِي فِي عِبادِي
[ الفجر : 29 ]
عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ
[ الإنسان : 6 ] . وإذا عرف هذا ، فإنه تعالى لمّا ذكر الحجج القطعيّة في صحّة المعاد ، وهو قوله تعالى :
قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
قال ها هنا : قل ، يا محمد لعبادي : إذا أردتم الاستدلال على المخالفين ، فاذكروا تلك الدلائل بطريق الأحسن من غير شتم ، ولا سبّ ، ونظيره قوله تعالى :
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[ النحل : 125 ] وقوله تعالى :
وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[ العنكبوت : 46 ] وذلك لأنّ ذكر الحجّة ، إذا اختلط به سبّ أو شتم ، لقابلوكم بمثله ، كما قال تعالى :
وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ
[ الأنعام : 108 ] ويزداد الغضب ، وتكمل النّفرة ، ويمتنع المقصود ، وإذا ذكرت الحجة بالطّريق الأحسن ، أثّر في القلب تأثيرا شديدا ، ثم نبّه تعالى على وجه المنفعة ، فقال تعالى :
إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ
أي : يفسد بينهم ، ويغري بينهم . قال الكلبي : كان المشركون يؤذون المسلمين ، فشكوا إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم فأنزل اللّه تعالى :
وَقُلْ لِعِبادِي
المؤمنين يقولوا للمشركين التي هي أحسن ، ولا يكافئوهم بسفههم . قال الحسن : يقول له : يهديك اللّه ، وكان هذا قبل الإذن في الجهاد « 1 » . وقيل : نزلت في عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - شتمة بعض الكفّار ، فأمره اللّه تعالى بالعفو « 2 » . وقيل : أمر المؤمنين بأن يقولوا ، ويفعلوا الخلّة التي هي أحسن « 3 » . وقيل : الأحسن قول : لا إله إلا اللّه « 4 » .
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 8 / 93 ) وذكره البغوي في « تفسيره » ( 3 / 119 ) . ( 2 ) ذكره البغوي في « تفسيره » ( 3 / 119 ) . ( 3 ) ينظر : المصدر السابق . ( 4 ) ينظر : المصدر السابق .