قوله تعالى :
أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً
الآيات .
لما تكلّم أوّلا في الإلهيّات ، ثمّ أتبعه بذكر شبهاتهم في النبوّات ، ذكر في هذه الآيات شبهاتهم في إنكار المعاد ، والبعث ، والقيامة ، وقد تقدّم أنّ مدار القرآن على هذه الأربعة ، وهي الإلهيّات ، والنبوّات ، والمعاد ، والقضاء والقدر ، وأيضا فالقوم وصفوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم بكونه مسحورا فاسد العقل ، فذكروا أن من جملة ما يدلّ على فساد عقله :
أن يدعي أنّ الإنسان بعد ما يصير عظاما ورفاتا يعود حيّا ، كما كان .
قوله تعالى :
أَ إِذا كُنَّا
: قد تقدم خلاف القرّاء في مثل هذين الاستفهامين في سورة الرعد ، والعامل في « إذا » محذوف [ تقديره : ] أنبعث أو أنحشر ، إذا كنّا ، دلّ عليه « لمبعوثون » ولا يعمل فيها « مبعوثون » هذا ؛ لأنّ ما بعد « إنّ » لا يعمل فيما قبلها ، وكذا ما بعد الاستفهام ، لا يعمل فيما قبله ، وقد اجتمعا هنا ، وعلى هذا التقدير : تكون « إذا » متمحّضة للظرفية ، ويجوز أن تكون شرطية ، فيقدّر العامل فيها جوابها ، تقديره : أإذا كنّا عظاما ورفاتا نبعث أو نعاد ، ونحو ذلك ، فهذا المحذوف جواب الشّرط عند سيبويه ، والذي انصبّ عليه الاستفهام عند يونس .
والرّفات : ما بولغ في دقّه ، وتفتيته ، وهو اسم لأجزاء ذلك الشيء المفتت ، وقال الفراء « 1 » : « هو التّراب » وهو قول مجاهد ويؤيّده أنه قد تكرّر في القرآن
« تُراباً وَعِظاماً » *
.
يقال : رفته يرفته بالكسر [ أي : كسره ] .
وقيل : حطاما قال الواحدي « 2 » : الرفت : كسر الشيء بيدك ؛ كما يرفت المدر والعظم البالي ، يقال : رفت عظام الجزور رفتا ، إذا كسرها ، ويقال للتبن : الرفت ؛ لأنّه دقاق الزّرع .
قال الأخفش : رفت رفتا ، فهو مرفوت ، نحو حطم حطما ، فهو محطوم .
والفعال يغلب في التفريق كالرّفات والحطام والعظام والدقاق والفتات ، والجذاذ والرضاض .
قوله تعالى : « خلقا » يجوز فيه وجهان :
أحدهما : أنه مصدر من معنى الفعل ، لا من لفظه ، أي : نبعث بعثا جديدا .
والثاني : أنه في موضع الحال ، أي : مخلوقين .
هامش
( 1 ) ينظر : معاني القرآن للفراء 2 / 125 .
( 2 ) ينظر : الفخر الرازي 20 / 179 .