تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 303

مساهمون:

ص٣٠٣
3427 - فإن تسألينا فيم نحن فإنّنا * عصافير من هذا الأنام المسحّر « 1 »
وردّ الناس على أبي عبيدة قوله ؛ لبعده لفظا ومعنى ، قال ابن قتيبة : « لا أدري ما الذي حمل أبا عبيدة على هذا التّفسير المستكره مع ما فسّره السّلف بالوجوه الواضحة » . قال شهاب الدين : وأيضا فإن « السّحر » الذي هو الرّئة لم يضرب له فيه مثل ؛ بخلاف « السّحر » فإنهم ضربوا له فيه المثل ، فما بعد الآية من قوله
انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ
[ الإسراء : 48 ] لا يناسب إلا « السّحر » بالكسر .

فصل في معنى قوله : نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ

قال المفسّرون : معنى الآية
نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ
أي يطلبون سماعه ،
إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ
وأنت تقرأ القرآن ،
وَإِذْ هُمْ نَجْوى
يتناجون في أمرك ، فبعضهم يقول : هذا مجنون ، وبعضهم يقول : شاعر
إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ
يعني الوليد بن المغيرة وأصحابه :
إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً
مطبوعا . وقال مجاهد - رحمه اللّه - : مخدوعا « 2 » ؛ لأنّ السّحر حيلة وخديعة ، وذلك لأنّ المشركين كانوا يقولون : إنّ محمدا صلى اللّه عليه وسلّم يتعلّم من بعض النّاس هذه الكلمات ، وأولئك النّاس يخدعونه بهذه الكلمات ، فلذلك قالوا : « مسحورا » أي : مخدوعا . وأيضا : كانوا يقولون : إنّ الشيطان يتخيّل له ، فيظنّ أنه ملك ، فقالوا : إنه مخدوع من قبل الشّيطان . وقيل : مصروفا عن الحقّ « 3 » ، يقال : ما سحرك عن كذا ، أي : ما صرفك ، وقيل : المسحور هو الشّيء المفسود ، يقال : طعام مسحور ، إذا فسد ، وأرض مسحورة ، إذا أصابها من المطر أكثر ممّا ينبغي فأفسدها . فإن قيل : إنّهم لم يتبعوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فكيف يصحّ أن يقولوا :
إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً
. فالجواب أنّ معناه : إن اتّبعتموه ، فقد اتّبعتم رجلا مسحورا . ثم قال تعالى :
انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ
، أي : كلّ أحد شبّهك بشيء ، فقالوا : كاهن ، وساحر ، وشاعر ، ومعلّم ، ومجنون ، فضلّوا عن الحقّ ، فلا يستطيعون سبيلا ، أي : وصولا إلى طريق الحقّ . قوله تعالى :

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 49 إلى 52 ]

وَقالُوا أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً ( 49 ) قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً ( 50 ) أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً ( 51 ) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً ( 52 )
هامش
( 1 ) ينظر : ديوانه 71 ، مجاز القرآن 1 / 381 ، الطبري 2 / 31 ، روح المعاني 15 / 90 ، الدر المصون 4 / 397 اللسان [ سحر ] . ( 2 ) ذكره البغوي في « تفسيره » ( 3 / 118 ) . ( 3 ) ينظر : المصدر السابق .