تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
وقيل : المراد بوفاء العهد : الإتيان بما أمر اللّه - تعالى - به ، والانتهاء عمّا نهى اللّه عنه . قوله تعالى :
وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ
الآية ، لما أمر تعالى بإتمام الكيل ، ذكر الوعيد الشديد في نقصانه كما في قوله تعالى :
وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ
[ المطففين : 1 - 3 ] . ثم قال تعالى :
وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ
. وهذا هو النوع الثالث من الأوامر المذكورة ها هنا ، فالآية المتقدمة في إتمام الكيل ، وهذه في إتمام الوزن ، ونظيره قوله عزّ وجلّ :
وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ
[ الرحمن : 9 ]
وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ
[ هود : 85 ] . قرأ الأخوان « 1 » وحفص بكسر القاف هاهنا وفي سورة الشعراء ، والباقون بضمها فيهما ، وهما لغتان مشهورتان ، فقيل : القسطاس في معنى الميزان ، إلّا أنّه في العرف أكبر منه ، ولهذا اشتهر في ألسنة العامة أنّه القبّان ، وقيل : إنه بلسان الرّوم أو السرياني ، والأصح أنه لغة العرب ، وقيل أيضا القرسطون . وقيل : هو كل ميزان ، صغر أم كبر ، أي : بميزان العدل . قال ابن عطيّة - رحمه اللّه - : هو عربيّ مأخوذ من القسط ، وهو العدل ، أي : زنوا بالعدل المستقيم ، واللفظة للمبالغة من القسط ، وردّه أبو حيّان باختلاف المادّتين ، ثم قال : « إلّا أن يدّعي زيادة السّين آخرا كقدموس ، وليس من مواضع زيادتها » ويقال بالسّين والصّاد .

فصل [ في أن التفاوت الحاصل بنقصان الكيل والوزن قليل ، والوعيد عليه شديد عظيم ]

اعلم أنّ التفاوت الحاصل بنقصان الكيل والوزن قليل ، والوعيد عليه شديد عظيم ، فيجب على العاقل الاحتراز منه ، وإنّما عظم الوعيد فيه ؛ لأنّ جميع الناس محتاجون إلى المعاوضات والبيع والشراء ، فبالغ الشّرع في المنع من التطفيف والنقصان ؛ لأجل إبقاء الأموال ؛ ومنعا من تلطيخ النفس بسرقة ذلك المقدار الحقير ، ثم قال :
« ذلِكَ خَيْرٌ »
، أي الإيفاء بالتّمام والكمال خير من التطفيف بالقليل ؛ لأنّ الإنسان يتخلّص بالإيفاء عن ذكر القبيح في الدنيا ، والعقاب الشديد في الآخرة .
وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا
منصوب على التفسير ، والتأويل ما يؤول إليه الأمر ؛ كقوله تعالى :
وَخَيْرٌ مَرَدًّا
[ مريم : 76 ] ،
وَخَيْرٌ أَمَلًا
[ الكهف : 46 ]
وَخَيْرٌ عُقْباً
[ الكهف : 44 ] ، وإنما حكم اللّه تعالى بأنّ عاقبة هذا الأمر أحسن العواقب ؛ لأنه إذا اشتهر في الدنيا بالاحتراز عن التطفيف ، أحبّه الناس ، ومالت القلوب إليه ، واستغنى في الزّمن القليل .
هامش
( 1 ) ينظر : السبعة 380 ، والنشر 2 / 307 ، والتيسير 140 ، والإتحاف 2 / 197 ، والحجة للقراء السبعة للفارسي 5 / 106 ، والقرطبي 10 / 167 ، والبحر 6 / 31 ، والحجة 402 ، والدر المصون 4 / 389 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 279 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب