تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
ثم قال :
عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ
والمعنى : لعلّ ربّكم أن يرحمكم ، ويعفو عنكم يا بني إسرائيل بعد انتقامه منكم بردّ الدّولة إليكم .
وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا
أي : إن عدتم إلى المعصية ، عدنا إلى العقوبة ، قال القفال : « وإنّما حملنا هذه الآية على عذاب الدنيا ؛ لقوله تعالى في سورة الأعراف خبرا عن بني إسرائيل :
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ
[ الأعراف : 167 ] ثم قال :
وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا
أي وإنهم قد عادوا إلى فعل ما لا ينبغي ، وهو التكذيب بمحمد صلى اللّه عليه وسلّم وكتمان ما ورد في التوراة والإنجيل ، فعاد اللّه عليهم بالتعذيب على أيدي العرب ، فجرى على بني النضير ، وقريظة وبني قينقاع ، ويهود خيبر ما جرى من القتل والجلاء ، ثم الباقون منهم مقهورون بالجزية ، لا ملك لهم ولا سلطان . ثم قال تعالى :
وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً
. يجوز أن تكون « حصيرا » بمعنى فاعل ، أي : حاصرة لهم ، محيطة بهم ، وعلى هذا : فكان ينبغي أن تؤنّث بالتاء كجبيرة . وأجيب : بأنها على النّسب ، أي ذات حصر ؛ كقوله :
السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ
[ المزمل : 18 ] ، أي ذات انفطار ، وقيل : الحصير : الحبس ، قال لبيد : [ الكامل ]
3387 - ومقامة غلب الرّجال كأنّهم * جنّ لدى باب الحصير قيام « 1 »
وقال أبو البقاء « 2 » : « لم يؤنثه ؛ لأنّ فعيلا بمعنى فاعل » وهذا منه سهو ؛ لأنه يؤدّي إلى أن تكون الصفة التي على فعيل ، إذا كانت بمعنى فاعل ، جاز حذف التاء منها ، وليس كذلك لما تقدّم من أن فعيلا بمعنى فاعل يلزم تأنيثه ، وبمعنى مفعول يجب تذكيره ، وما جاء شاذّا من النوعين يؤوّل . وقيل : إنما لم يؤنّث لأنّ تأنيث « جهنّم » مجازيّ . وقيل : لأنها في معنى السّجن والمحبس ، وقيل : لأنها بمعنى فراش . ويجوز أن تكون بمعنى مفعول أي : جعلناها موضعا محصورا لهم ، والمعنى : أنّ عذاب الدنيا ، وإن كان شديدا إلا أنّه قد يتفلّت بعض النّاس عنه ، والذي يقع فيه يتخلّص عنه إمّا بالموت ، أو بطريق آخر ، وأما عذاب الآخرة ، فإنّه يكون محيطا به ، لا رجاء في الخلاص منه . قوله تعالى :

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 9 إلى 10 ]

إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ( 9 ) وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 10 ) قوله تعالى :
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
الآية .
هامش
( 1 ) تقدم . ( 2 ) ينظر : الإملاء 2 / 89 .