تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
ذكره - :
وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً
[ الفرقان : 67 ] وقال - جل ذكره - :
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ
[ الإسراء : 29 ] ، وقال صلى اللّه عليه وسلّم : « خير الأمور أوسطها » . ورابعها : أن شريعتنا أمرت بالختان ، والحكمة فيه : أن رأس الذّكر جسم شديد الإحساس ، فلو بقيت القلفة ، لبقي العضو على كمال قوّته ، فيعظم الالتذاذ ، أمّا إذا قطعت الجلدة ، بقي العضو عاريا ، فيلقى الثياب وسائر الأجسام ، فيتصلب فيضعف حسّه ويقل شعوره ، فيقلّ الالتذاذ بالوقاع ، فتقلّ الرغبة فيه ، فأمرت الشريعة بالختان ؛ سعيا في تقليل تلك اللذة ، حتّى يصير ميل الإنسان إلى الوقاع معتدلا ، وألّا تصير الرّغبة فيه داعية غالبة على الطّبع . فالذي ذهب إليه المانويّة من الإخصاء وقطع الآلات مذموم ؛ لأنه إفراط ، وإبقاء تلك الجلدة مبالغة في تقوية تلك اللذة ، والعدل الوسط هو الختان . واعلم أن الزّيادة على العدل قد تكون إحسانا ، وقد تكون إساءة ؛ فالعدل في الطاعات هو أداء الواجبات ، والزيادة على الواجبات طاعات ، فهي من جملة الإحسان ؛ ولهذا قال - صلوات اللّه وسلامه عليه - لجبريل - صلوات اللّه وسلامه عليه - حين سأله عن الإحسان : « أن تعبد اللّه كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك » . وسمّي هذا المعنى بالإحسان ؛ لأنه بالمبالغة في الطاعة ، كأنه يحسن إلى نفسه بإيصال الخير والفعل الحسن ، ويدخل في الإحسان التعظيم لأمر اللّه ، والشّفقة على خلق اللّه ، ويدخل في الشّفقة على خلق اللّه أقسام كثيرة ، وأعظمها : صلة الرحم ؛ فلهذا أفرده - تعالى - بالذّكر ، فقال - تعالى - :
وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى
وأما الثّلاثة التي نهى اللّه عنها ؛ وهي : « الفحشاء والمنكر والبغي » فنقول : إنه - تعالى - أودع في النّفس البشرية قوى أربعة ؛ وهي : الشّهوانيّة البهيميّة ، والغضبيّة السبعيّة ، والوهميّة الشيطانيّة ، والعقليّة الملكية . فالعقلية الملكيّة لا يحتاج الإنسان إلى تهذيبها ؛ لأنه من جوهر الملائكة . وأما القوّة الشهوانية فرغبتها في تحصيل اللذّات الشهوانية ، وهذا النّوع مخصوص بالفحشاء ، ألا ترى أنه - تعالى - سمى الزنا فاحشة ؛ فقال - جل ذكره - :
إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً
[ الإسراء : 32 ] ، وقوله - تعالى - :
وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ
المراد منه : المنع من تحصيل اللذات الشهوانيّة . وأما القوّة الغضبية السبعية : فهي أبدا تسعى في إيصال الشرور والأذى إلى سائر النّاس ، وهذا ممّا ينكره الناس ، فالمنكر عبارة عن الإفراط الحاصل من آثار القوّة الغضبيّة . وأما القوّة الوهميّة الشيطانية : فهي أبدا تسعى في الاستعلاء على الناس ، والترفع