تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
و « خلقكم » ، والباقون بالغيبة ؛ مراعاة لقوله - عزّ وجلّ - :
فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ
وقوله :
فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ
واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم ؛ لقرب المخبر عنه ، وأيضا فظاهر الخطاب أن يكون مع المسلمين ، والمسلمون لا يخاطبون بجحد النّعمة ، وهذا إنكار على المشركين . فإن قيل : كيف يصيرون جاحدين بنعمة اللّه عليهم بسبب عبادة الأصنام ؟ . فالجواب من وجهين : الأول : أنّه لمّا كان المعطي لكل الخيرات هو اللّه - تعالى - ، فالمثبت له شريكا ، فقد أضاف إليه بعض تلك الخيرات ، فكان جاحدا لكونها من عند اللّه ، وأيضا فإنّ أهل الطبائع وأهل النجوم يضيفون أكثر هذه النّعم إلى الطبائع وإلى النّجوم ، وذلك يوجب كونهم جاحدين لكونها من عند اللّه . الثاني : قال الزجاج : إنّه - تعالى - لمّا بين الدلائل ، وأظهرها بحيث يفهمها كل عاقل ، كان ذلك إنعاما عظيما منه على الخلق ، فعند ذلك قال :
أَ فَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
في تقرير هذه البيانات وإيضاح هذه البينات « يجحدون » . قوله :
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً
الآية هذا نوع آخر من أحوال الناس استدلّ به على وجود الإله المختار الحكيم ، وتنبيها على إنعام اللّه على عبيده بمثل هذه النعم ، وهذا الخطاب للكلّ ، فتخصيصه بآدم وحوّاء - صلوات اللّه وسلامه عليهما - خلاف للدّليل ، والمعنى : أنه - تعالى - خلق النّساء ليتزوج بها الذّكور ، ومعنى
« مِنْ أَنْفُسِكُمْ »
كقوله - تعالى - :
فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
[ البقرة : 54 ] وقوله :
فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ
[ النور : 61 ] ، أي : بعضكم بعضا ؛ ونظيره :
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً
[ الروم : 21 ] . قال الأطباء وأهل الطبيعة : المنيّ إذا انصبّ إلى الخصية اليمنى من الذّكر ، ثمّ انصبّ منه إلى الجانب الأيمن من الرّحم ، كان الولد ذكرا تامّا ، وإن انصبّ إلى الخصية اليسرى ، ثمّ انصبّ منها إلى الجانب الأيسر من الرّحم ، كان الولد أنثى تامّا في الأنوثة ، وإن انصبّ منها إلى الخصية اليمنى ، وانصبّ منها إلى الجانب الأيسر من الرّحم ، كان ذكرا في طبيعة الإناث ، وإن انصبّ إلى الخصية اليسرى ، ثم انصبّ إلى الجانب الأيمن من الرّحم ، كان هذا الولد أنثى في طبيعة الذّكور . وحاصل كلامهم : أنّ الذّكور الغالب عليها الحرارة واليبوسة ، والغالب على الإناث البرودة والرطوبة ، وهذه العلّة ضعيفة ، فإنّا رأينا في النّساء من كان مزاجه في غاية السّخونة ، وفي الرّجال من كان مزاجه في غاية البرودة ، ولو كان الموجب للذّكورة والأنوثة ذلك ، لامتنع ذلك ؛ فثبت أنّ خالق الذّكر والأنثى هو الإله القادر الحكيم . قوله : « وحفدة » فيه أوجه : أظهرها : أنه معطوف على « بنين » بقيد كونه من الأزواج ، وفسّر هذا بأنّه أولاد الأولاد .