تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
قال أبو حيّان : أما قوله : « باتّفاق » إن عنى به من البصريين ، فصحيح ، وإن عنى به من النّحويين ، فليس بصحيح ؛ إذ قد ذهب بعضهم إلى أنّه وإن أضيف لا يعمل ، فإن وجد بعده منصوب أو مرفوع قدّر له عاملا ، وأما قوله : « في تقدير الانفصال » فليس كذلك ، إلا أن تكون إضافته غير محضة ؛ كما قال به ابن الطراوة وابن برهان ، ومذهبهما فاسد ؛ لأن هذا المصدر قد نعت وأكد بالمعرفة ، وقوله : « لا يعمل . . . إلى آخره » ناقضه بقوله : « وقد جاء عاملا . . . إلى آخره » . قال شهاب الدّين « 1 » : فغاية ما في هذا أنّه نحا إلى أقوال قال بها غيره ، وأمّا المناقضة ، فليست صحيحة ؛ لأنّه عنى أولا أنّه لا يعمل في السّعة ، وثانيا أنه قد جاء عاملا في الضرورة ، ولذلك قيّده فقال : « في قول الشّاعر » . قوله : « شيئا » فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه منصوب على المصدر ، أي : لا يملك لهم ملكا ، أي : شيئا من الملك . والثاني : أنه بدل من « رزقا » أي : لا يملك لهم رزقا شيئا ، وهذا غير مقيّد ؛ إذ من المعلوم أن الرزق شيء من الأشياء ، ويؤيّد ذلك أن البدل يأتي لأحد معنيين : البيان أو التّأكيد ، وهذا ليس فيه بيان ؛ لأنه أعمّ ، ولا تأكيد . الثالث : أنه منصوب ب « رزقا » على أنه اسم مصدر ، واسم المصدر يعمل عمل المصدر ، على خلاف في ذلك . ونقل مكّي : أن اسم المصدر لا يعمل عند البصريين إلا في شعر ، وقد اختلف النقلة عن البصريّين ؛ فمنهم من نقل المنع ، ومنهم من نقل الجواز . وقد ذكر الفارسي انتصابه ب « رزقا » كما تقدّم . ورد عليه ابن الطّراوة : بأن الرّزق اسم المرزوق ، كالرّعي ، والطحن . وردّ على ابن الطراوة ؛ بأنّ الرزق بالكسر أيضا مصدر ، وقد سمع فيه ذلك ، وظاهر هذا أنه مصدر بنفسه لا اسم مصدر . قوله تعالى :
وَلا يَسْتَطِيعُونَ
يجوز في الجملة وجهان : العطف على صلة « ما » ، والإخبار عنهم بنفي الاستطاعة على سبيل الاستئناف ، ويكون قد جمع الضمير العائد على « ما » باعتبار معناها ؛ إذ المراد بذلك آلهتهم . ويجوز أن يكون الضمير عائدا على العابدين . فإن قيل : قال - تعالى - :
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ
فعبّر عن الأصنام بصيغة « ما » وهي لغير العاقل ، ثم جمع بالواو والنون فقال :
« وَلا يَسْتَطِيعُونَ »
، وهو مختص بأولي العلم .
هامش
( 1 ) ينظر : الدر المصون 4 / 348 .