تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
ولذلك قال في صفة شجرة جهنّم :
طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ
[ الصافات : 65 ] وذلك لما تقرّر في الطبائع ، أنّ أقبح الأشياء ، هو الشيطان ، فكذا هاهنا ، تقرّر في الطبائع أنّ أحسن الأشياء ، هو الملك ، فلما أرادت النسوة المبالغة في وصف يوسف في الحسن ، لا جرم شبّهنه بالملك ، وقلن : « إن هذا إلّا ملك كريم » على اللّه من الملائكة . والوجه الثاني : قال ابن الخطيب « 1 » : وهو الأقرب عندي ، أن المشهور عند الجمهور ، أنّ الملائكة مطهّرون عن بواعث الشهوة ، وحوادث الغضب ، ونوازع الوهم ، والخيال ، فطعامهم توحيد اللّه ، وشرابهم الثناء على اللّه ، ثم إنّ النسوة لما رأين يوسف ، لم يلتفت إليهن ، ورأين عليه هيبة النّبوة ، وهيبة الرسالة ، وسيما الطّهارة ، قلن : ما رأينا فيه أثرا من الشّهوة ، ولا شيئا من البشرية ، ولا صفة من الإنسانية ، ودخل في الملائكة ، فإن قالوا : فإن كان المراد ما ذكرتم ، فكيف يتمهد عذر المرأة عند النسوة ؟ فالجواب قد سبق .

فصل فيمن احتج بالآية على أن الملك أفضل من البشر

احتج القائلون بأن الملك أفضل من البشر بهذه الآية فقالوا : لا شك أنهن إنما ذكرن هذا الكلام في معرض تعظيم يوسف - صلوات اللّه وسلامه عليه - ، فوجب أن يكون إخراجه من البشرية ، وإدخاله في الملكيّة ، سببا لتعظيم شأنه ، وإعلاء مرتبته ، وإنما يكون كذلك ، إذا كان الملك أعلى حالا من البشر . ثم نقول : لا يخلو إما أن يكون المقصود بيان كماله في الحسن الظاهر ، أو بيان كمال حسن الباطن الذي هو الخلق الباطن « 2 » ، والأول باطل لوجهين : الأول : أنهن وصفنه بكونه كريما ؛ بحسب الأخلاق الباطنة ، لا بحسب الخلقة الظاهرة . والثاني : أنا نعلم بالضرورة أنّ وجه الإنسان لا يشبه وجوه الملائكة البتة ، وأما كونه بعيدا عن الشهوة ، والغضب ، معرضا عن اللّذات الجسمانية ، متوجّها إلى عبودية اللّه ، مستغرق القلب والرّوح ، فهو مشترك فيه بين الإنسان الكامل ، وبين الملائكة . إذا ثبت هذا فنقول : تشبيه الإنسان بالملك ، في الأمر الذي حصلت المشابهة فيه على سبيل الحقيقة ، أولى من تشبيهه بالملك فيما لم تحصل فيه المشابهة البتة ؛ فثبت أن تشبيه يوسف بالملك في هذه الآية ، إنّما وقع في الخلق الباطن ، لا في الصّورة الظاهرة ، وإذا كان كذلك ، وجب أن يكون الملك أعلى « 3 » حالا من الإنسان في هذه الفضائل . قوله : « فذلكنّ » مبتدأ ، والموصول خبره ، أشارت إليه إشارة البعيد ، وإن كان
هامش
( 1 ) ينظر : الفخر الرازي 18 / 103 . ( 2 ) سقط من : ب . ( 3 ) في ب : أحسن .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 92 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب