تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
قال الواحدي : « ومعنى القدر في اللغة : قطع الشيء على مساواة غيره من غير زيادة ولا نقصان » . وقال المفسرون في معنى « يقدر » ههنا : يضيق ، لقوله
وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ
[ الطلاق : 7 ] ومعناه : أنه يعطيه بقدر كفايته لا يفضل عنه شيء . وقرأ زيد « 1 » بن علي : « ويقدر » بضم العين . قوله « وفرحوا » هذا استئناف إخبار . وقيل : بل هو عطف على صلة « الذين » قبل . وفيه نظر ؛ من حيث الفصل بين أبعاض الصلة بالخبر ، وأيضا : فإن هذا ماض وما قبله مستقبل ولا يدعى التوافق في الزمان إلا أن يقال : المقصود استمرارهم بذلك أو أن الماضي متى وقع صلة صلح [ للماضي ] « 2 » والاستقبال . قوله « في الآخرة » ، أي في جنب الآخرة . « إلّا متاع » وهذا الجار في موضع الحال تقديره : وما الحياة القريبة الكائنة في جنب الآخرة إلا متاع ولا يجوز تعلقه بالحياة ولا بالدنيا لأنهما لا يقعان إلا في الآخرة . ومعنى الآية : أن [ مشركي ] « 3 » مكة أشروا وبطروا ، والفرح : لذة في القلب بنيل المشتهى وفيه دليل على أن الفرح بالدنيا حرام محال
وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ
أي قليل ذاهب . قوله :
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ
الآية اعلم أن كفار مكة قالوا : يا محمد إن كنت رسولا فأتنا بآية ومعجزة مثل معجزات موسى وعيسى - عليهما الصلاة والسلام - فأجابهم اللّه بقوله
قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ
. وبيان كيفية هذا الجواب من وجوه : أحدها : كأنه يقول : إن اللّه أنزل عليه آيات ظاهرة ومعجزات قاهرة ، لكن [ الإضلال ] « 4 » والهداية من اللّه فأضلهم عن تلك الآيات وهدى إليها آخرين ، فلا فائدة في تكثير الآيات والمعجزات . وثانيها : أنه كلام يجري مجرى التعجب من قولهم ، وذلك لأن الآيات الباهرة المتكاثرة التي ظهرت على رسول اللّه - عليه أفضل الصلاة والسلام - كانت أكثر من أن تصير مشتبهة على العاقل فلما طلبوا بعدها آيات أخر كان في موضع التعجب والاستنكار ، فكأنه قيل لهم : ما أعظم عنادكم
إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ
من كان على صنيعكم من التصميم على الكفر فلا سبيل إلى هدايتكم وإن نزلت كل آية ، « ويهدي » من كان على خلاف صنيعكم .
هامش
( 1 ) ينظر : البحر المحيط 5 / 379 والدر المصون 4 / 240 . ( 2 ) في أ : للمضي . ( 3 ) في ب : أهل . ( 4 ) في أ : الضلال .