تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
قال القاضي « 1 » : هذا ، وإن كان محتملا ؛ لكن حمل اللفظ على الحقيقة أولى . قال ابن الخطيب « 2 » : « أقول على نصرة الأصم ، بأن ظاهر الآية يقتضي حصول الأغلال في أعناقهم في الحال ، وذلك غير حاصل ، فإنهم يحملون هذا اللفظ على أنّه سيحصل هذا المعنى ، ونحن نحمله على أنه حاصل في الحال ، والمراد بالأغلال ما ذكره ، فكلّ واحد منا تارك للحقيقة من بعض الوجوه ، فلم كان قولكم أقوى ؟ » . وقيل : المعنى : أنّه - تعالى - يجعل الأغلال في أعناقهم يوم القيامة ، ويدلّ عليه قوله تعالى :
إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ
[ غافر : 71 ] إلى قوله :
ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ
[ غافر : 72 ] . ثم قال :
وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
والمراد منه التّهديد بالعذاب المخلد المؤبّد ، وذلك يدلّ على أنّ العذاب المؤبّد ليس إلا للكفّار ؛ لأن قولهم :
هُمْ فِيها خالِدُونَ
يدلّ على أنّهم هم الموصوفون بالخلود لا غيرهم فدل على أنّ أهل الكبائر لا يخلدون في النّار . فإن قيل : العجب هو الذي لا يعرف بسبب ، وذلك في حق اللّه - تعالى - محال ، فكيف قال : « فعجب قولهم » ؟ . فالجواب : المعنى : فعجب عنك . فإن قيل : قرأ بعضهم : « بل عجبت » بإضافة العجب إلى نفسه . فالجواب : أنّا قد بيّنا أنّ مثل هذه الألفاظ يجب تنزيهها عن مبادئ الأعراض ويجب حملها على نهايات الأعراض ونهاية التعجب أن الإنسان إذا تعجّب من الشيء أنكره ، فكان التعجب في حقّ اللّه - تعالى - محمولا على الإنكار . قوله تعالى :
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ
واعلم أن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم كان يهددهم تارة بعذاب القيامة ، وتارة بعذاب الدنيا ، والقوم كلّما هددهم بعذاب القيامة ، أنكروا القيامة ، والبعث ، والنشر كما تقدّم في الآية الأولى ، وكلما هددهم بعذاب الدنيا استعجلوه ، وذلك أنّ مشركي مكّة كانوا يطلبون العقوبة بدلا من العافية استهزاء منهم يقولون :
اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ
[ الأنفال : 32 ] . قوله « قبل الحسنة » فيه وجهان : أحدهما : أنه متعلق بالاستعجال ظرفا له . والثاني : أنه متعلق بمحذوف على أنّه حال مقدرة من السيئة ، قاله أبو البقاء . قوله « وقد خلت » يجوز أن تكون حالا وهو الظاهر ، ويجوز أن تكون مستأنفة .
هامش
( 1 ) ينظر : الفخر الرازي 19 / 8 . ( 2 ) ينظر : الفخر الرازي 19 / 8 - 9 .