تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
إنّ الكفار كلهم مغفور لهم ؛ لأنّ اللّه - تعالى - أخّر عقابهم إلى الآخرة . وعن الثاني : أنّ اللّه تمدّح بهذا ، والتّمدّح إنما يحصل بالتفضيل ، أما أداء الواجب ، فلا تمدح فيه ، وعندكم يجب غفران الصغائر . وعن الثالث : أن ظاهر الآية يقتضي حصول المغفرة ؛ فسقطت الأسئلة . قوله :
عَلى ظُلْمِهِمْ
حال من « النّاس » والعامل فيها ، قال أبو البقاء « مغفرة » يعني : أنه هو العامل في صاحبها . قوله تعالى :
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ
الآية لما بين - تعالى - أنّهم طعنوا في النبوة بسبب طعنهم في الحشر والنشر ثم طعنوا في النبوّة أيضا بسبب طعنهم في صحّة ما ينذرهم به من نزول العذاب ، بين أيضا أنهم طعنوا في نبوّته ، وطلبوا منه المعجزة . والسّبب في كونهم أنكروا كون القرآن معجزة : أنهم قالوا هذا كتاب مثل سائر الكتب ، وإتيان الإنسان بتصنيف معين لا يكون معجزا ، وإنّما يكون المعجز مثل معجزات موسى . واعلم أنّ من الناس من زعم أنّه لم يظهر معجزة لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم سوى القرآن ، قالوا : لأن هذا الكلام إنّما يصحّ إذا طعنوا في كون القرآن معجزا ولم يظهر معجزا غيره ؛ لأنه لو ظهر معجز غيره لم يحسن أن يقال :
« لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ »
وهذا يدلّ على أنه - عليه الصلاة والسلام - ما كان له معجزة سوى القرآن . والجواب عنه من وجهين : الأول : لعلّ المراد منه طلب معجزات سوى المعجزات التي شاهدوها من حنين الجزع ، ونبع الماء من بين أصابعه ، وإشباع الخلق الكثير الطعام القليل ؛ فطلبوا منه معجزات قاهرة غير هذه ، مثل : فلق البحر لموسى ، وقلب العصا ثعبانا . فإن قيل : فما السبب في أنّ اللّه منعهم ، وما أعطاهم ؟ . فالجواب : أن اللّه - تعالى - لما أظهر المعجزة الواحدة ، فقد تمّ الغرض ، فيكون طلب الثاني تحكما ، وظهور القرآن معجزة ، فما كان مع ذلك حاجة إلى معجزات أخر . وأيضا : فلعلّه - تعالى - علم أنّهم يصرّون على العناد بعد ظهور المعجزة الملتمسة وكونهم يصيرون حينئذ يستوجبون عذاب الاستئصال ، فلهذا السبب ما أعطاهم مطلوبهم ، وقد بين اللّه - تعالى - ذلك بقوله :
وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ
[ الأنفال : 23 ] فبيّن أنّه لم يعطهم مطلوبهم ، لعلمه أنّهم لا ينتفعون به . وأيضا : ففتح هذا الباب يفضي إلى ما لا نهاية له ، وهو أنّه كلّما أتى بمعجزة جاء آخر ، وطلب معجزة أخرى ، وذلك يوجب سقوط دعوة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وهو باطل .