تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
قوله :
وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ
الآية لما ذكر الدّليل على معرفة المبدأ ذكر بعده ما يدلّ على المعاد . قال ابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - : « إن تعجب من تكذيبهم إيّاك بعد ما حكموا عليك بأنّك من الصّادقين ، فهذا عجب » « 1 » . وقيل : إن تعجب يا محمّد من عبادتهم ما لا يملك لهم ضرّا ، ولا نفعا بعد ما عرفوا الدلائل الدّالة على التوحيد ، فهذا عجب . وقيل : تقدير الكلام : وإن تعجب يا محمد صلوات اللّه عليه فقد تعجبت في موضع العجب ، لأنهم لما اعترفوا بأنه - تعالى - مدبّر السماوات ، والأرضين ، وخالق الخلق أجمعين ، وأنّه هو الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ، وأنّه الذي سخر الشّمس ، والقمر على وفق مصالح العباد ، وهو الذي أظهر في العالم أنواع العجائب ، والغرائب ، فمن كانت قدرته وافية بهذه الأشياء العظيمة ، كيف لا تكون وافية بإعادة الإنسان بعد موته ؛ لأنّ القادر على الأقوى يكون قادرا على الأضعف بطريق الأولى ، وهذا تقرير موضع التّعجّب . قوله :
فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ
يجوز فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه خبر مقدم ، و « قولهم » مبتدأ مؤخّر ، ولا بد من حذف [ صفة ] « 2 » لتتمّ الفائدة ، أي : فعجب أي عجب ، أو غريب ، ونحوه . الثاني : أنه مبتدأ ، وسوّغ الابتداء ما ذكر من الوصف المقدر ، ولا يضر حينئذ كون خبره معرفه ، هذا كما أعرب سيبويه : كم مالك وخير من أقصد رجلا خير منه أبوه مبتدأين لمسوغ الابتداء بهما ، وخبرهما معرفة ، قاله أبو حيّان « 3 » . وللنزاع فيه مجال ؛ على أنّ هناك علّة لا تتأتى هنا ، وهي : أنّ الذي حمل سيبويه « 4 » على ذلك في المسألتين أن أكثر ما تقع موقع « كم » ، وخبر « ما » هو مبتدأ ؛ فلذلك حكم عليهما بحكم الغالب بخلاف ما نحن فيه . الثالث : أنّ « عجب » مبتدأ بمعنى معجب ، و « قولهم » فاعل به ، قاله أبو البقاء « 5 » .
هامش
( 1 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 19 / 8 ) عن ابن عباس . ( 2 ) في ب : الصفة . ( 3 ) ينظر : البحر المحيط 5 / 358 . ( 4 ) ينظر : الكتاب 1 / 229 - 230 . ( 5 ) ينظر : الإملاء 2 / 61 .