تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
الأول : أنه جعل الأرض قطعا مختلفة في الماهيّة والطبيعة ، وهي مع ذلك متجاورة ، فبعضها سبخة ، وبعضها طيّبة ، وبعضها صلبة وبعضها حجرية ، وبعضها رملية ، وتأثير الشمس ، وتأثير الكواكب في تلك القطع على السّويّة ؛ فدلّ ذلك على أن اختلافها في صفاتها بتقدير العليم القدير . الثاني : أنّ القطعة الواحدة من الأرض تسقى بماء واحد ، ويكون تأثير الشمس فيها [ متساويا ] « 1 » ، ثمّ إنّ تلك الثمار تجيء مختلفة في اللّون ، والطّعم ، والطّبيعة ، والخاصية ؛ حتى أنّك قد تأخذ عنقودا واحدا من العنب ، فتكون جميع حبّاته ناضجة حلوة إلّا حبة واحدة منه ، فإنها تبقى حامضة يابسة ، ونحن نعلم بالضرورة أن نسبة الطبائع والأفلاك إلى الكل على السوية ، بل نقول ههنا ما هو أعجب منه ، وهو أنّه يوجد في بعض أنواع الورد ما يكون أحد وجهيه في غاية الحمرة ، والوجه الثاني في غاية السّواد ، مع أنّ ذلك الورد يكون في غاية الرقة والنّعومة ، ويستحيل أن يقال : وصل تأثير الشمس إلى أحد طرفيه دون الثاني ، وهذا يدلّ دلالة [ قطعية ] « 2 » على أنّ الكل بتقدير الفاعل المختار لا بسبب الاتّصالات الفلكيّة ، وهذا هو المراد بقوله تعالى :
يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ
، ولهذا قال :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
.

فصل : [ قال القرطبي : هذه الآية تدل على بطلان القول بالطبع إذ لو كان ذلك بالماء والتراب والفاعل له الطبيعة لما وقع الاختلاف 248 ]

قال القرطبي « 3 » : هذه الآية تدلّ على بطلان القول بالطبع ، إذ لو كان ذلك بالماء ، والتراب ، والفاعل له الطبيعة ؛ لما وقع الاختلاف . وذهب الكفرة - لعنهم اللّه - إلى أنّ كلّ حادث يحدث من نفسه لا من صانع وادعوا ذلك في الثّمار الخارجة من الأشجار ، وأقرّوا بحدوثها ، وأنكروا الأعراض ، وقالت فرقة بحصول الثّمار لا من صانع ، وأثبتوا للأعراض فاعلا . والدّليل على أنّ الحادث لا بد له من محدث : أنّه يحدث في وقت ، ويحدث ما هو من جنسه في وقت آخر ، فلو كان حدوثه في وقته لاختصاصه به ؛ لوجب أن يحدث في وقته كل ما هو من جنسه ، وإذا بطل اختصاصه بوقته صح أنّ اختصاصه لأجل مخصص خصصه به ، لولا تخصيصه إيّاه لم يكن حدوثه في وقته أولى من حدوثه قبل ذلك أو بعده . قوله تعالى :

[ سورة الرعد ( 13 ) : الآيات 5 إلى 7 ]

وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَ إِذا كُنَّا تُراباً أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 5 ) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ ( 6 ) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ( 7 )
هامش
( 1 ) في أ : متشابها . ( 2 ) في أ : قاطعة . ( 3 ) ينظر : الجامع لأحكام القرآن 9 / 185 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 248 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب