تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
الأول : أنّ بلوغ يعقوب في محبة يوسف إلى هذا الحدّ العظيم لا يليق إلا لمن كان غافلا عن اللّه - تعالى - ؛ لأنّ من عرف اللّه ؛ أحبه ، ومن أحبّ اللّه لم يتفرغ قلبه بحب شيء سوى اللّه - تعالى - وأيضا : القلب الواحد لا يسع الحب المستغرق لشيئين ، فلمّا كان قلبه مستغرقا في حبّ ولده ؛ امتنع أن يقال : إنّه كان مستغرقا في حبّ اللّه - تعالى - ؟ . السؤال الثّاني : أنّه عند استيلاء الحزن الشّديد عليه ؛ كان من الواجب عليه أن يشتغل بذكر اللّه - تعالى - والتفويض ، والتّسليم لقضائه . وأما قوله : ( يا أسفى على يوسف ) ، فذلك لا يليق بأهل الدّين والعلم فضلا عن أكابر الأنبياء - صلوات اللّه وسلامه عليهم - أجمعين ؟ . السؤال الثالث : لا شكّ أن يعقوب عليه الصلاة والسلام - كان من أكابر الأنبياء وكان أبوه ، وجده ، وعمه كلهم من أكابر الأنبياء المشهورين في جميع الأنبياء ومن كان كذلك ، ثم وقعت له واقعة هائلة في أعزّ أولاده ، لم تبق تلك الواقعة خفيّة ، بل لا بدّ ، وأن تبلغ في الشّهرة إلى حيث يعرفها كل أحد ، لا سيما ، وقد انقضت المدّة الطويلة فيها ، وبقي يعقوب على حزنه الشديد ، وأسفه العظيم ، وكان يوسف في مصر ، وكان يعقوب في بعض [ بوادي ] « 1 » الشّام قريبا من مصر ، فمع قرب المسافة يمتنع بقاء هذه الواقعة خفية . السؤال الرابع : لم لم يبعث يوسف إلى يعقوب ويعلمه أنّه في الحياة - صلاة اللّه عليهما - وفي السّلامة ولا يقال : إنه كان يخاف إخوته ؛ لأنه بعد أن صار ملكا قاهرا يمكنه إرسال الرسول إليه ، وإخوته ما كانوا يقدرون على دفع رسوله ؟ . السؤال الخامس : كيف جاز ليوسف - عليه الصلاة والسلام - أن يضع الصّواع في وعاء أخيه ، ثم يستخرجه ويلصق به تهمة السرقة مع أنّه كان بريئا عنها . السؤال السادس : كيف رغب في إلصاق هذه التّهمة له ، وحبسه عند نفسه مع أنّه كان يعلم أنه يزداد حزن أبيه ويقوى ؟ . والجواب عن الأول : أنّ مع مثل هذه المحبة الشّديدة يكون كثير الرّجوع إلى اللّه - تعالى - كثير الاشتغال بالدّعاء ، والتضرّع ، وذلك يكون سببا لكمال الاستغراق وعن الثاني : أنّ الداعية الإنسانية لا تزول في الحياة العاجلة ، فتارة كان يقول ( يا أسفى على يوسف ) وتارة كان يقول : ( فصبر جميل واللّه المستعان على ما تصفون ) وأما بقية الأسئلة ، فالقاضي أجاب عنها فقال : هذه الوقائع الّتي نقلت إلينا إمّا أن يمكن تخريجها على الأحوال المعتادة أو لا يمكن ، فإن كان الأوّل ، فلا إشكال وإن كان الثاني فنقول : كان الزّمان زمان الأنبياء ، وخرق العادة في ذلك الزمان غير مستبعد ، فلم يمتنع أن يقال : إنّ
هامش
( 1 ) في ب : بلاد .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 196 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب