تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
عمران : 186 ] أنّ أصل هذه المادّة الدلالة على الانتشار ، وجوّز فيه الرّاغب هنا وجهين : أحدهما : أنه مصدر في معنى المفعول ، قال : « أي : غمّي الذي يبثه عن كتمان ، فهو مصدر في تقدير مفعول ، أو يعني غمّي الذي بثّ فكري ، فيكون في معنى الفاعل » . وقرأ الحسن وعيسى « وحزني » بفتحتين ، وقتادة بضمتين ، وقد تقدم .

فصل [ في معنى قول يعقوب : « إنما أشكو شدة حزني إلى الله » ]

المعنى : أن يعقوب - عليه السلام - لما رأى غلظتهم ، قال : إنما أشكو شدة حزني إلى الله ، وسمّى شدّة الحزن بثّا ؛ لأنّ صاحبه لا يصبر عليه حتى يبثه ، أي : [ يظهره ] « 1 » . وقال الحسن : بثّي ، أي : حاجتي ، والمعنى : أنّ هذا الذي أذكره لا أذكره معكم ، وإنّما أذكره في حضرة اللّه - تعالى - والإنسان إذا ذكر شكواه إلى اللّه - تعالى - كان في زمرة المحققين . وروي أنّه قيل له : يا يعقوب : ما الذي أذهب بصرك ، وقوّس ظهرك ؟ قال : أذهب بصري بكائي على يوسف ، وقوس ظهري حزني على أخيه ؛ فأوحى اللّه إليه : أتشكوني وعزتي لا أكشف ما بك حتى تدعوني ، فعند ذلك قال :
إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ
ثم قال :
وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
أي : أعلم من رحمته وإحسانه ما لا تعلمون ، وهو أنّه - تعالى - يأتيني بالفرج من حيث لا أحتسبه ، وهو إشارة إلى أنه كان يتوقّع رجوع يوسف إليه ، وذكروا لسبب هذا التوقع وجوها : أحدها : أنّ ملك الموت أتاه فقال له : يا ملك الموت ! هل قبضت روح ابني يوسف قال : لا يا نبيّ اللّه ، ثمّ أشار إلى جانب مصر ، وقال : اطلبه هاهنا . وثانيها : أنه علم من رؤيا يوسف عليه السلام أنّها صادقة ، وأنا وأنتم سنسجد له . وثالثها : لعلّه - تعالى - أوحى إليه أنّه سيوصله إليه ، ولكنّه - تعالى - ما عيّن الوقت ؛ فلهذا بقي في القلق . ورابعها : قال السديّ : لما أخبره بنوه بسيرة الملك ، وحاله في أقواله ، وأفعاله ؛ طمع أن يكون هو يوسف ، وقال : لا يبعد أن يملك الكفّار مثل هذا « 2 » . وخامسها : علم قطعا أن بنيامين لا يسرق ، وسمع أنّ الملك ما آذاه ، ولا ضربه ؛ فغلب على [ ظنه ] أنّ ذلك الملك هو يوسف عليه السلام ، فعند ذلك قال : ( يا بني اذهبوا فتحسّسوا من يوسف وأخيه ) أي : استقصوا خبره بحواسّكم ، والتّحسّس : طلب الشّيء بالحاسّة . قال ابن الأنباريّ « يقال : تحسّست عن فلان ، ولا يقال : من فلان ، وقيل : ههنا من
هامش
( 1 ) في ب : يضيره . ( 2 ) ذكره البغوي في « تفسيره » ( 2 / 445 ) .