تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
وقيل : ينفى . والّذي ورد في الحديث أنّه لم ينف العائن ، ولا أمره بلزوم بيته ولا حبسه ، بل قالوا : يكون الرّجل الصّالح عائنا ، وأنه لا يقدح فيه ، ولا يفسّق به ومن قال : يحبس ، ويؤمر بلزوم بيته ؛ فذلك للاحتياط ، ودفع ضرره . قال الجبائيّ : إنّ أبناء يعقوب اشتهروا ، وتحدّث النّاس بهم ، وبحسنهم ، وكمالهم فقال :
« لا تَدْخُلُوا »
تلك المدينة
« مِنْ بابٍ واحِدٍ »
على ما أنتم عليه من العدد ، والهيئة ، ولم يأمن عليهم حسد النّاس ، أو قال : لم يأمن عليهم أن يخافهم الملك على ملكه ، فيحبسهم . وهذا وجه محتمل لا إنكار فيه إلّا أنّ القول الأوّل أولى ؛ لأنّه لا امتناع فيه بحسب العقل ، والعرف كما بيّنا ، والمتقدّمون من المفسرين أطبقوا عليه ، فوجب المصير إليه . ونقل عن الحسن أنه قال : خاف عليهم العين ، فقال :
لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ
ثمّ رجع إلى علمه ، فقال :
وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ
، وعرف أن العين ليست بشيء « 1 » . وكان قتادة يفسّر الآية بإصابة العين ، ويقول : ليس في قوله :
وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ
إبطال له ؛ لأن العين ، وإن صحّ ، فاللّه قادر على دفع أثره « 2 » . وقال النّخعيّ : كان عالما بأنّ ملك مصر هو ولده يوسف إلّا أنّ اللّه - تبارك وتعالى - ما أذن له في إظهار ذلك ، فلمّا بعث أولاده إليه ، وقال :
لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ
، وكان غرضه أن يصل بنيامين إلى يوسف في وقت الخلوة ، وقوله :
وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ
فالإنسان مأمور بأن يراعي الأسباب المعتبرة في هذا العالم ، ومأمور بأن يجزم بأنّه لا يصل إليه إلّا ما قدره اللّه - تعالى - وأنّ الحذر لا ينجي من القدر ، فإنّ الإنسان مأمور بالحذر عن الأشياء المهلكة ، والأغذية الضّارة ، وبالسّعي في تحصيل المنافع ، ودفع المضار بقدر الإمكان ، ثمّ مع ذلك ينبغي أن يكون جازما بأنّه لا يصل إليه إلّا ما قدره اللّه ولا يحصل في الوجود إلّا ما أراد اللّه ، فقوله - عليه الصلاة والسلام -
لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ
إشارة إلى رعاية الأسباب المعتبرة في هذا العالم ، وقوله :
وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ
إشارة إلى عدم الالتفات إلى الأسباب وإلى الالتفات إلى التّوحيد المحض ، والبراءة عن كلّ شيء سوى اللّه - تعالى « 3 » . فإن قيل : كيف السّبيل إلى الجمع بين هذين القولين « 4 » ؟ .
هامش
( 1 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 18 / 139 ) . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 7 / 249 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 4 / 48 ) وزاد نسبته إلى عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ . ( 3 ) ينظر : تفسير الرازي ( 18 / 139 ) . ( 4 ) في ب : العقلين .