تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
وهو تعسّف ؛ لأنّ في الكلام ما هو جواب صريح كما تقدّم . والثالث : أنّ الجواب هو قوله : « آوى » قال أبو البقاء « 1 » : « وهو جواب : « لمّا » الأولى ، والثانية ، كقولك : لمّا [ جئتك ] ، ولمّا كلّمتك أجبتني ، وحسّن ذلك أن دخولهم على يوسف - صلوات اللّه وسلامه عليه - تعقب دخولهم من الأبواب . يعني أنّ « آوى » جواب الأولى ، والثانية ، وهو واضح .

فصل [ في تفسير الآية ]

قال المفسرون : لمّا قال يعقوب - صلوات اللّه وسلامه عليه - :
وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ
صدّق اللّه يعقوب فيما قاله ، أي : وما كان ذلك التّفريق يغني من اللّه من شيء . قال ابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - : ذلك التّفريق ما كان يرد من قضاء اللّه تعالى ولا أمرا قدره اللّه تعالى « 2 » . وقال الزجاج : لو قدر أن يصيبهم لأصابهم ، وهم متفرّقون كما يصيبهم ، [ وهم مجتمعون ] . وقال ابن الأنباري : لو سبق في علم اللّه تعالى أنّ العين تهلكهم عند الاجتماع ؛ لكان تفرقهم كاجتماعهم ، وهذه كلمات متقاربة وحاصلها : أنّ الحذر لا يدفع القدر . وقوله : « من شيء » يحتمل النّصب بالمفعولية ، والرفع بالفاعلية . أمّا الأول فهو كقولك : ما رأيت من أحد ، والتقدير : ما رأيت أحدا ، كذا ههنا ، وتقدير الآية : أن تفرقهم ما كان يغني من قضاء اللّه شيئا . وأما الثّاني فكقولك : ما جاءني من أحد وتقديره : ما جاءني أحد ، فيكون التقدير هنا : ما كان يغني عنهم من اللّه شيء مع قضائه . قوله : « إلّا حاجة » فيه وجهان : أحدهما : أنه استثناء منقطع ، وتقديره : ولكن حاجة في نفس يعقوب قضاها ، ولم يذكر الزمخشريّ غيره . والثاني : أنه مفعول من أجله ، ولم يذكر أبو البقاء غيره ، ويكون التقدير : ما كان يغني عنهم بشيء من الأشياء إلّا لأجل حاجة كانت في نفس يعقوب عليه السلام ، وفاعل : « يغني » ضمير التفرق المدلول عليه من الكلام المتقدّم . وفيما أجازه أبو البقاء - رحمه اللّه تعالى - نظر من حيث المعنى لا يخفى على متأمّله . و « قضاها » صفة ل : « حاجة » .

فصل [ قول بعض المفسرين ]

قال بعض المفسرين : من تلك الحاجة : خوفه عليهم من إصابة العين وقيل : خوفه عليهم من حسد أهل مصر ، وقيل : خوفه عليهم من أن يصيبهم ملك مصر بسوء .
هامش
( 1 ) ينظر : الإملاء 2 / 55 . ( 2 ) ذكره البغوي في « تفسيره » ( 2 / 438 ) .