تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨

فصل

اعلم أنه - صلوات اللّه وسلامه عليه - لما قرّر التوحيد والنبوة ، عاد إلى الجواب عن السّؤال الذي ذكر ، ففسّر رؤياهما ، فقال :
يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما
، وهو صاحب الشّراب
« فَيَسْقِي رَبَّهُ »
: يعني الملك ، وأما الآخر : يعني الخبّاز ، فيدعوه الملك ، ويخرجه ، ويصلبه ؛ فتأكل الطير من رأسه . قال ابن مسعود - رضي اللّه عنه - : « لمّا سمعا قول يوسف - صلوات اللّه وسلامه عليه - قالا : ما رأينا شيئا إنّما كنّا نلعب » ، قال يوسف : « قضي الأمر الذي فيه تستفتيان » « 1 » . فإن قيل : هذا الجواب الذي ذكره يوسف - عليه الصلاة والسلام - ذكره ؛ بناء على أنّ الوحي من قبل اللّه - تعالى - أو بناء على علم التّعبير . والأول باطل ؛ لأن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - نقل أنه إنّما ذكره على سبيل التعبير ، وأيضا قال اللّه :
وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا
، ولو كان ذلك التعبير مبنيّا على الوحي ، كان الحاصل منه القطع واليقين ، لا الظنّ والتّخمين . والثاني - أيضا - باطل ؛ لأن علم التعبير مبنيّ على الظنّ ، والقضاء : هو الإلزام والجزم والحكم البتّ « 2 » ، فكيف بني الجزم والقطع على الظنّ والحسبان ؟ . والجواب : لا يبعد أن يقال : إنهما سألاه عن ذلك المنام ، صدقا فيه أو كذبا ، فإنّ اللّه - تعالى - أوحى إليه أنّ عاقبة كلّ واحد منهما تكون على ذلك الوجه المخصوص ، فلما نزل الوحي بذلك الغيب عند ذلك السؤال ، وقع في الظنّ أنّه ذكره على سبيل [ التّعبير ] « 3 » . ولا يبعد - أيضا - أن يقال : إنه بنى ذلك الجواب على علم التعبير . وقوله « قضي الأمر الّذي فيه تستفتيان » ما عنى به أنّ الذي ذكره واقع لا محالة ، بل عنى أنّ حكمه في تعبير ما سألاه عنه ذلك الذي ذكره . قوله « قضي الأمر » قال الزمخشريّ « 4 » : « ما استفتيا في أمر واحد ، بل في أمرين مختلفين ، فما وجه التوحيد ؟ قلت : المراد بالأمر ما اتهما به من سمّ الملك ، وما سجنا من أجله ، والمعنى : فرغ من الأمر الذي عنه تسألان » .
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 7 / 218 ، 219 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 4 / 36 ) وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ . ( 2 ) سقط من : ب . ( 3 ) في ب : التعيين . ( 4 ) ينظر : الكشاف 2 / 471 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 108 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب